تحقيقات

إنتاج و مبيعات الورود: قطاع تصديري واعد رغم غياب الدّعم

السان فلنتان” أو “عيد الحبّ“، هذه المناسبة الدوريّة الجديدة التي أضحت سنّة من السّنن التي تحسب على أنّها حميدة باعتبارها تهتمّ بالعواطف والأحاسيس، وكلّ ما يتعلّق بالجانب الشعوري للإنسان، وكونها موعد ينضح ببشريّة البشر.

إلى جانب ذلك “عيد الحبّ” مناسبة تزدهر فيها “تجارة الورد”، حيث ترتفع أسعار الورود والأزهار بأنواعها لا سيما في ظلّ الإقبال الكثيف عليها من قبل فئات عمريّة مختلفة ومستويات اجتماعيّة وتعليميّة متنوعة، جميع أفرادها يتهافتون على اقتناء الورود والزهور لتقديمها هدايا للأحبّاء، أصدقاء، أزواج أم في مرحلة خطوبة أو غير ذلك.

أمر جعلنا ننتهز الفرصة لتسليط الضوء على واقع القطاع وآفاقه وعلى أوضاع أهل المهنة ومشاغلهم وتطلّعاتهم.

قطاع تصديري واعد

تؤكّد معطيات نشرت في أواخر السنة الماضية 2016 أنّ حصّة تونس من الورود في السّوق العالميّة، لم تختلف عن حصتها في سنة 2015 أو في بقيّة الأعوام السّابقة، والتي قدّرت بنحو 1000 طنّ سنويّا، حيث يوفّر القطاع عائدات سنويّة بقيمة 700 مليون دينار، كما تؤكّد المؤشّرات الرقميّة أنّ أصحاب المزارع المختصّة في إنتاج الورد يوجّهون 60 بالمائة من منتوجاتهم إلى السّوق الأوروبيّة فيما يتمّ تزويد السّوق المحليّة ببقيّة الكميّات.

وتتمثّل الأنواع من الزّهور والنّباتات المزروعة في تونس والتي يتمّ تقطيرها أو استخلاص زيوتها لصناعة العطور في الورد، “العطرشية”، “النّسري”، “الياسمين”، “الفلّ”، “العنبر”، “الفليّو”، وغيرها من النباتات الزّهريّة، ويحتكم “الوطن القبلي” لوحده، على مستوى ما يصطلح على تسميته في تونس بـ “الزّهر” أو “زهر البرتقال”، على أكثر من 4600 هكتار من أشجار القوارص يستخرج منها أطنان من مادّة “الزّهر” يوجّه إلى التقطير حيث يتمّ التّرويج لهذه النّبتة في نابل كلّ سنة في شهر أفريل عبر “مهرجان الزّهر”، كما يتمّ في زغوان تنظيم مهرجان نبتة “النّسري” كل عام، والذي  يتمّ تقطيره أيضا وهو مقتصر على هذه المنطقة من البلاد التّونسيّة ويعتبر باهظ الثّمن لندرة هذه النّبتة التي يتمّ استغلالها حتّى على مستوى صناعة الأدوية.

 إلى جانب ذلك فـ”المشموم” هو نبتة متداولة كثيرا في بلادنا، وهي مثلها مثل “بطاقة التعريف الوطنيّة” صارت في العالم هويّة لتونس، على اعتبار أن كلّ من زار تونس من الوفود السياحيّة إمّا اقتنى هذه الوردة أو أهديت له، “المشموم” يسترزق منه الآلاف خاصّة في المناسبات والأفراح وبالخصوص في فصل الصّيف عندما تزدهر سوق السياحة حيث تروّج هذه النبتة في الفنادق والمقاهي والفضاءات العائليّة وحتّى في الشوارع والطّرقات السيارة.

ويؤكّد الخبراء في المجال أنّ إنتاج الورد في تونس أصبح قطاعا تصديريا واعدا حيث تشحن يوميا آلاف الورود عبر مطارات تونس المختلفة لتصل أسواق أوروبا وكذلك بقيّة بلدان المتوسّط لافتين إلى المنافسة ما تنفكّ حدّتها تتصاعد خاصّة في ظلّ ريادة بعض البلدان العربيّة في تجارة وتزويد باقات الورود وحفظها للتصدير وعلى رأس القائمة دولة لبنان التي أصبحت تستثمر في المجال.

أريانة “بلاد الورد” وشارع الحبيب بورقيبة “المغازة الكبرى”

تتوجّه الأنظار عادة في شهر ماي من كلّ سنة الى مدينة أريانة أين ينتظم “مهرجان الورد” بعرض أنواع مختلفة من الورود وبيع مشاتلها، والتي تتميّز بها المدينة حيث  يتمّ أيضا تقطيرها للرّاغبين في اقتناء “ماء الورد” كما هو متداول في مناطق عديدة من تونس وأساسا الوطن القبلي وأريانة التي تستأثر لوحدها بأكثر من 60 بالمائة من انتاج الورود في البلاد التّونسيّة.

وإن كانت أريانة “بلاد الورد” كما يصطلح على تسميتها فئة واسعة من التونسيين فإنّ “شارع الحبيب بورقيبة” كان دائما “المغازة الكبرى” لبيع الورود حيث تنصب محلاّت بيع الزهور في آخر الشّارع بعد أن كانت تؤثّث وسطه وتمّ تغيير مواقعها من قبل سلطات الإشراف المعنيّة، محلاّت دأب المقبلون على اقتناء الورود على زيارتها خاصّة منذ أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، قادمين إليها من كلّ حدب وصوب وحتّى من المناطق البعيدة ومن جهات البلاد الساحليّة والداخليّة.

ويؤكّد عدد من أصحاب هذه المحلاّت في عديد التدخلاّت الصحفيّة أنّ بيع الورود هو في المجمل “تجارة موسمية” ولا تنتعش إلا على مدى 3 أشهر من كلّ سنة، وتحديدا في فصل الصيف علاوة على بعض المناسبات والأفراح حيث يتمّ، إذا كان النّشاط في أوجه تحقيق الأرباح المأمولة التي كان من المفروض تحقيقها على مدار السنة، ويضيف هؤلاء المتدخلين من أهل المهنة بالقول إنّه “ما عدا ذلك فالشّغل مناسباتي، ومحظوظ من يظفر بعقد تعامل لتزويد الفنادق أو بعض الأحزاب السّياسية الكبرى”.

وقد دخل التّزويق بالورود في السّنوات الأخيرة ضمن العادات الأساسيّة في حياة جميع التّونسيين الذين يزيّنون أفراحهم ومسراتهم وسياراتهم بباقات الورود، ويكثر نشاط دكاكين بيع الورود في موسم الصيف والأعراس حيث يتفنن أصحابها في عرض مختلف أنواع الورد ويتنافسون في ابتكار أجمل الباقات، وقد تطوّرت عمليّة تشكيل الباقات باستعمال الحاسوب لتكون أكثر انسجاما وبهاء.

فوائد طبيّة واستعمالات دوائيّة متنوعة

استنادا إلى دراسة أنجزها الباحث التّونسي في علم النّبات “منير القصري” ونشرت بتاريخ 24 أفريل 2013، والتي جاء في مضمونها بالخصوص أنّ “جميع مناطق البلاد التّونسيّة تشترك في تقطير نبتة “العطرشاء” (العطرشية)، وتختصّ بعض الجهات بأنواع من الزهور كمدينة زغوان حيث يتم تقطير زهرة “النسري” التي أكّدت الدّراسة أنّ لها فوائد جمّة من حيث استعمالاتها في “إيقاف الإسهال” و”اهتراء اللثة” و”مداواة العذر” و”أمراض الشيخوخة” و”نزيف الدورة الشهرية، و”تقوية المناعة” و”جدار العروق” و “التخفيض من مستوى السّكري في الدّم”، و “المساعدة على تفتيت حصى الكلى”، و “الحماية من البرد للأطفال”، كما “تمنع ضغط الدم” و”تنشط القلب”، كما أنّها مفيدة “ضد السّعال والبرد” (العظام)، وهي  أيضا “مفيدة للعطش” و”تنشط الطاقة، ومفيدة “للجهاز الهضمي” و”تقوي الجهاز التناسلي” و “ائتلام الجروح”، وبالنسبة للأطفال، يتم تناولها مع الحليب والدرع.

وتبرز الدّراسة أنّه “في جهة نابل والوطن القبلي عامّة يعمد أهل الجهة إلى تقطير أوراق “النارنج”، حيث يستعمل ماء زهره ضد “ضربات الشمس” في فصل الصيف”، ويكشف الباحث “منير القصري”، بخصوص الفوائد الصحيّة الجمّة للنبتة المعروفة بـ “ورد أريانة”، أنّها ” وردة حمراء تعدّ الأكثر شيوعا في استخراج العطور الشذيّة، ولها استعمالات في شتّى التّطبيبات وموطنها الأصلي هو تركيا، ومنه انتقلت إلى الأندلس ثم المغرب فتونس التي دخلتها سنة 1637، وظهر لأوّل مرة بمنطقة أريانة، وخاصّة بجهة جعفر من ولاية أريانة قبل أن ينتقل إلى صفاقس والقيروان وجربة، وموجود كذلك بمدينة قفصة”، مضيفا بالقول :”وقد نوّه الكثير من العارفين بالوردة الحمراء لاسيما أبو بكر الرازي الذي قال بفاعليتها ضد مرض “السلّ الرئوي الرّهيب”، ووقع اعتمادها فيما بعد في العديد من الأدوية، وبخاصة خلال القرون الوسطى وعصر التنوير”.

وتؤكّد الدّراسة أنّ “الوردة الحمراء” (نبتة أريانة) اشتهرت في عصر “نابليون بونابرت” وذاع صيتها بين أطباء الجيش الإمبراطوري، حيث كانوا يتزودون بورقاتها المجففة لاستعمالها في مقاومة “عسر الهضم” و”التهاب الأمعاء” و”آلام الحنجرة” و”الوهن” والأمراض المتصلة بـ”الجلد” و”إصابات العيون”، كما ان لهذه الوردة استعمالات ضد “العذر”، ولقد عثر على مخطوط قديم بالجداول الركنية للرّحالة الشّهير “قلقامش” يحتوي على وصفة متكونة من معجون ورقات هذه الوردة ومخلوط بالزيت النباتي العبق المعروف طبيّا بـ”تيريبتنين”.

وفي الاستعمال الخارجي فإن لهذه الوردة مفعولا محمودا في “اندمال الجروح” وعلاج “الإسهال” وإصابات “الزّكام” عن طريق “الغرغرة” أو “الحقن”، وهي كثيرة الاستعمال في مداواة “الإصابات الجلدية” وهي تدخل في خانة “المراهم الزهرية” و”ماء الورد المقطر” أو “خلّ الزّهر”.

سوق العطّارين”.. تاريخ يمتدّ إلى 7 قرون

 يحيلنا تناول موضوع إنتاج ومبيعات الورود آليا وبصفة تلقائيّة على منتجات العطور والروائح التي يرتبط إنتاجها وتوزيعها ارتباطا وثيقا بتوفّر الورود والزهور باختلاف أنواعها وجودتها، وتعتبر “سوق العطارين” بالمدينة العتيقة من أبرز الأسواق التونسية التي تعرض خلاصات الورود ومستحضرات الزهور، سوق يرجح المؤرخون أنها أقيمت منذ 7 قرون خلت ولها حرفاها وحريفاتها من العائلات التونسية.

وعن هذه السّوق، يقول الباحث التّونسي “محمد الحشايشي” في كتابه “عادات وتقاليد تونسية”، إن “سوق العطّارين” مشهورة بعطور الياسمين والوردة، بالإضافة إلى العنبر والقماري والحناء، وكلها مواد متوفرة في الأسواق المحلية التونسية.. فالياسمين على سبيل المثال معروف عن البلاد التونسية، وهو منتشر لدى الكثير من العائلات التونسية ضمن أشجار الحدائق، أما الورد فهو من أهم منتجات بعض المدن القريبة من العاصمة على غرار “ورود أريانة”، وكثيرا من العطور لا تزال عمليات تقطيرها تعتمد على الوسائل التقليدية، مثل “ماء الزّهر” و”الياسمين” و”العطرشية” وماء الورد.

وتعرض في السّوق عطور مستخلصة من نباتات متنوعة من أهمها “الياسمين” و”الورد و”العنبر” و”القماري” والحناء القابسية (نسبة إلى مدينة قابس بالجنوب التّونسي) كلها تباع في “سوق العطّارين”، وحكاية هذه السوق طريفة للغاية، فقد بناها أبو زكرياء الأول، مؤسس الدولة الحفصية، منذ القرن الثالث عشر للميلاد، وهي موجهة للعائلات التونسية الميسورة التي عادة ما تحبذ العيش والشراء من المدينة العتيقة دون غيرها، لاقتناء كل ما تحتاجه المرأة من مواد زينة وطيب.

ماركات فرنسيّة عالميّة مستخرجة من الزّهور التونسيّة

تحتكم تونس على أنواع عديدة من الزّهور منها ما يتمّ تصديرها لاستخدامها في صناعة العطور الفرنسيّة الفاخرة ومن أبرز هذه الزّهور زهر البرتقال او الـ”نارولي” (Néroli) المستخرج من شجر “النّارنج” المتمركزة أساسا في الوطن القبلي (نابل، دار شعبان وبني خيار)، حيث تصدر تونس منه وحسب مصادر فلاحيّة نحو 700 كغ من هذه النبتة، وتعدّ السّوق الفرنسيّة الحريف الأساسي لهذه المادّة لوصفها المادة الأساسيّة لبعض من العطور الفرنسيّة الرّاقية المعروفة في جميع أنحاء العالم الذي يجهل في ذات الوقت أنّ زيوتها او روحها الأساسيّة مستخرجة من زهور تونسيّة.

ورغم ما تتميّز به تونس من زهور نادرة وذات قيمة فإنّه يلاحظ أنّه لا يتمّ استغلال هذه الثّروة الطبيعيّة بما فيه الكفاية الى درجة تجعل من تونس ذات صيت عالمي على مستوى صناعة العطورات ومواد التّجميل التي تعتمد على الزّيوت الأساسيّة لهذه الزّهور كما تفعل مؤسّسات عالميّة تمكّنت من ترويج عطورات تعدّ من الماركات العالميّة حيث يرجع المختصّون هذا الأمر بالخصوص إلى “غياب الدّعم الحكومي” للقطاع والعاملين فيه.

الدّعم الحكومي

كشف عديد المختصين أن “تجارة الورد” في تونس بقيت تقليدية وتقتصر على بعض المبادرات الخاصة لأصحاب المهنة ممن يجتهدون في تطويرها في ظلّ غياب الدّعم الحكومي المتواصل، ورغم القيمة المضافة التي يمكن أن يحملها هذا القطاع للاقتصاد في حال تصدير الباقات الجاهزة مع الورود المحمولة من المزارع مباشرة”.

وقد اعتبر بعض أهل الخبرة في تصريحات إعلاميّة أنّ “السّلطات التونسية قست على تجار الورد بعد أن أجبرتهم على نقل محلاتهم التي كانت تحتل الرصيف الأوسط لشارع الحبيب بورقيبة إلى نهاية الشارع بسبب التوسعات التي يجري تنفيذها في كلّ مرّة في قلب العاصمة، ممّا أدّى إلى تشتت التجار وهجرة البعض الآخر إلى “الأحياء الجديدة” في ضواحي العاصمة لا سيما الرّاقية منها، مما جعل تجارتهم موسمية بعد أن كان المارة يقبلون على مدار السنة على اقتناء الورود”.

ويجمع أهل الذّكر أنّ قطاع إنتاج أو مبيعات رغم موسميّته ورغم الصّعوبات والعراقيل لكنّه يبقى مجالا حيّا وحيويّا، ويظلّ مورد رزق لمئات العائلات التونسيّة التي تسترزق منه، كما يجمعون على ضرورة أن تولي السّلطات الرسميّة الاهتمام المطلوب فيما يتعلّق بالتغطية الصّحيّة والإحاطة الاجتماعية لجميع “النواوريّة” بلا استثناء.

0
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى غير قابل للنسخ.
إغلاق