**الحضور التونسي في قمة نيروبي “إفريقيا إلى الأمام“ **
تشارك تونس، في قمة نيروبي “إفريقيا إلى الأمام” (Africa Forward: شراكات بين إفريقيا وفرنسا من أجل الابتكار والنمو) يومي الاثنين والثلاثاء 11 و12 ماي 2026، برهانات استراتيجية تهدف إلى تعزيز موقعها كفاعل اقتصادي وتكنولوجي في القارة، خصوصا مع توجه القمة نحو شراكات متكافئة حيث تتمثل أبرز رهانات تونس من هذه القمة في تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري من ذلك تنويع الأسواق بتكثيف التواجد في أسواق شرق وجنوب إفريقيا، واستغلال عضويتها في “الكوميسا” لزيادة الصادرات التونسية. كما تراهن تونس الشراكات على البحث عن شراكات متكافئة ترتكز على الابتكار والنمو الشامل، وهو شعار القمة الرئيسي موازاة مع تونس كمنصة استراتيجية للاستثمار، خاصة في القطاعات التكنولوجية والصناعية.
إلى ذلك تصبو تونس إلى تحقيق رهانات ذات بعد دبلوماسي لعل في أول سلم أولويات دعم الجالية التونسية، وتثمين دور التونسيين المقيمين بكينيا كشركاء فاعلين وجسور للتواصل الاقتصادي والتنموي. كما تأتي هذه المشاركة في إطار سلسلة من القمم (الصينية، الكورية، الإيطالية) التي شاركت فيها تونس مؤخراً لتأكيد توجهها نحو “العمق الإفريقي” كأولوية استراتيجية.
(1)حضور تونسي قوي إدراكا بالفضاء الافريقي كعمق استراتيجي للاقتصاد التونسي.
من خلال تعميق علاقات الشراكة والتّعاون مع البلدان الإفريقية تؤكد تونس خيارها الاستراتيجي في ترسيخ تموقعها وعمقها الإفريقي لذلك هي الآن تسعى بقوة إلى تعزيز حضورها على امتداد القارة السمراء إدراكا منها بأن الفضاء الافريقي يمثل امتدادا طبيعيا للاقتصاد التونسي، هذا الإدراك الذي مثل بدوره منطلقا لتحويل التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف مع دول القارة السمراء إلى رهان استراتيجي لتنويع شركائها التجاريين والتقليل من الاعتماد على الأسواق التقليدية. هذا الأمر دفع إلى توخي مقاربة اقتصادية واستراتيجية على قاعدة تعزيز المبادلات التجارية وتكثيف الشراكات مع دول وبهدف دعم الاستثمار وفتح أسواق جديدة أمام المؤسسات التونسية في مختلف المجالات، هذا بالإضافة الى الانخراط في مبادرات إقليمية، مثل السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا “كوميسا “والمنطقة القارية الإفريقية للتبادل الحر «زليكاف» مع الحرص على تكثيف الزيارات الرسمية والبعثات الاقتصادية نحو الدول الإفريقية. وقد استطاعت العديد من الشركات التونسية في قطاعات متنوعة أن تفرض وجودها في الفضاء الإفريقي.
وبحكم موقعها الجغرافي في شمال القارة الإفريقية، وتاريخها المرتبط بفضاء متوسطي وإفريقي في آن واحد، تمتلك تونس مؤهلات كبيرة تجعلها بوابة نحو إفريقيا جنوب الصحراء، ويمكنها أن تلعب دورا محوريا كمركز لوجستي يربط بين أوروبا وإفريقيا كما يمكنها أن تلعب دور الجسر بين شمال القارة وجنوبها، وبين العالم العربي وإفريقيا. وكل هذه المؤهلات التي تملكها بلادنا والأدوار الاستراتيجية التي يمكن ان تلعبها تؤكد أهمية التوجه نحو ترسيخ وجودها في العمق الإفريقي، نظرا لما يمثله ذلك كإحدى الرافعات الاستراتيجية المهمة التي يمكن أن تساهم بشكل فعّال في تنمية اقتصادها وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية.
(2) تعزيز الانفتاح على المحيط الإفريقي.
يرى الخبراء والمتابعون أن تونس التي ترسم لنفسها مسارا يقوم على اعتماد خيار الدبلوماسية الاقتصادية تحرص من خلال تفعيل هذا النمط من الدبلوماسية على حصد حزمة من الاتفاقيات الجديدة مع بلدان أفريقيا، ويرون أن تونس تدرك الآن جيدا أنه حان الوقت لتوجيه البوصلة نحو أفريقيا، لذلك هي تسعى لدعم الشراكة مع الأفارقة بهدف استكشاف الفرص الكبرى سواء للتشغيل المتاحة في الفقارة أو لاستكشاف المزيد من فرص الاستثمار لرجال الأعمال التونسيين في كافة القطاعات.
كما أن تونس البوابة الافريقية نحو أوروبا والعكس بالعكس، مدعوة إلى مزيد تثبيت حضورها ووجودها في الفضاء الإفريقي بتطوير روابطها مع الأقطار الإفريقية واستهداف العمق الإفريقي من خلال اتاحة التسهيلات وتذليل العراقيل أمام المستثمر الإفريقي، وبسط كل الضرورات التي من شأنها أن تدفعه إلى الانتصاب في تونس وتنشيط المثلث التجاري بين إفريقيا وتونس وأوروبا. وإلى ذلك فتونس التي تمثل أيضا قوة اندماج على المستوى القارّي، من خلال اتحاد المغرب العربي أو «الكوميسا» أو المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا أو تجمع الساحل والصحراء أو منطقة التجارة الحرة القارية الافريقية، تعتزم افتتاح تمثيليات تجارية جديدة وكذلك إطلاق خطوط جوية من وإلى وجهات افريقية متنوعة.
الرؤية الجديدة التي شرعت تونس في نهجها خلال السنوات الأخيرة ترتكز في منطلقاتها وأهدافها على مزيد الانفتاح على محيطها الافريقي وتعزيز مستويات التعاون بينها وبين الدول الافريقية والهياكل الافريقية خصوصا بالتأكيد على حضور قوي للجانب الاقتصادي، ويمكن تكشّف ذلك من خلال الموقف الرسمي للخارجية التونسية خلال إحياء يوم إفريقيا في 25 من شهر ماي الفارط، حيث أكد الجانب التونسي أهمية تطوير العلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والمبادلات المختلفة مع إفريقيا التي تتمتّع بإمكانات هائلة تسمح لها بالتألق أكثر في المستقبل وقدّمت الكثير إلى العالم، وأن ذلك يعد في صميم أولويات الدبلوماسية التونسية.
(3) أبرز ملامح التوجه الاقتصادي والاستراتيجي نحو الأسواق الإفريقية (2026):
+ مشاريع كبرى وشراكات:
يتم الإعلان عن أكثر من 15 اتفاقية شراكة مع غرف تجارية ومؤسسات دولية، تتضمن مشاريع ضخمة مثل مشروع “نوفايشن سيتي” في كينشاسا (بقيمة تتجاوز 100 مليون يورو)، و”تيكنو بارك” ومركب صناعي في قطاع النسيج بجمهورية الكونغو الديمقراطية على مساحة 43 ألف هكتار.
+ مشاريع كبرى (الكونسورتيوم التونسي): تم الإعلان عن مشاريع كبرى تقودها شركات تونسية بنسبة 100%، منها مشروع “كيامونا” لتوسعة مدينة كينشاسا في الكونغو الديمقراطية ومشروع “نوفايشن سيتي كينشاسا” لتطوير أقطاب تكنولوجية.
+ نمو التبادلات التجارية: ناهزت المبادلات التجارية مع دول القارة الأفريقية نحو 14.4 مليار دينار طيلة سنة 2023، مع مساعٍ لرفع الصادرات التونسية نحو إفريقيا جنوب الصحراء.
+ الاستفادة من الاتفاقيات القارية: تم تسجيل حوالي 400 عملية تجارية تصديرية لمؤسسات تونسية في إطار مبادرة التجارة الموجهة لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (زليكاف).
ويذكر في أن الصدد أن اتفاقيات فيتا 2026 (FITA): كانت آخر الاتفاقيات التي تم توقيعها وقد جرت فعاليات ه\ه الاتفاقية خلال ندوة “تمويل الاستثمار والتجارة في إفريقيا” (فيتا 2026) التي احتضنتها تونس يومي 28 و29 أفريل 2026.
لكن على الرغم من التقدم المحرز، تشير التقديرات إلى وجود إمكانات تصدير غير مستغلة تقدّر بـ 2.28 مليار دولار نحو ما لا يقل عن 36 دولة إفريقية. ويُعد توفير التمويلات، ومعالجة العقبات اللوجستية، وفتح خطوط نقل مباشر أهم التحديات التي تعمل تونس على تجاوزها لرفع صادراتها إلى حدود 10 مليارات دينار.
بالمحصلة تسعى تونس إلى تحويل نفسها إلى منصة تجارية تربط المتوسط بعمق القارة السمراء، مع التركيز على الكفاءات التونسية لتعزيز الوجود في الأسواق الإفريقية الواعدة.
