تحقيقات

بدو تونس ( نجع قمرة): قوّة اقتصاديّة وشكل اجتماعي على هامش الزّمن

يطلقون عليهم اسم “نجع قمرة”، هم قبائل رحّل يعيشون في تونس منذ قرون بالطريقة نفسها، توارثوا أجيالا بعد أجيال مهنة تربية ورعي الأغنام والماعز والإبل.

وتتميّز طريقة حياة قبائل البدو في تونس برحلة الشتاء والصيف، فهم يقضون شتاءهم في مواطنهم الأصلية، وهي غالبا ما تكون ولايات الوسط والساحل التونسي، وينتقلون صيفا إلى الشمال الغربي بحثا عن العشب والعلف لقطعانهم، التي تمثل مصدر رزقهم الوحيد.

وينتقل البدو ليلا على ضوء القمر في ليالي الصيف المقمرة، وهو ما جعل إسم “نجع قمرة” يلتصق بهم.

نشاطهم الرئيسي: تربية الأغنام


وتعد تربية الأغنام النشاط الرئيسي لهذه القبائل، إلا أن موارد رزقهم متنوعة ولهم عدة أعمال موازية ترتبط أساسا بالنشاط الفلاحي، فهم يبيعون حليب الأغنام لمصانع الأجبان في الربيع ويبيعون “حليب الناقة” للباحثين عن الشفاء من مرضي السرطان والسكري.


ويأتي الزبائن لشراء حليب الإبل من حدود الجزائر، وهم أيضا يؤجرون بعضا من الجمال التي تربيها القبيلة في مواسم الأفراح لنقل العروس، على عادة الولي الصالح “سيدي البشير”، الذي يتبركون به، في جهة الشمال الغربي بقيمة مالية تتراوح بين 60 إلى 100 دينار لليوم الواحد.


ويشارك أفراد “القبيلة” الفلاحين في هذه الجهة أو تلك في عمليّة الحصاد بالطرق التقليدية في الأراضي الوعرة التي يتعّذر فيها دخول آلات الحصاد، كما يقومون بتسويق مواشيهم سواء في الأسواق الأسبوعية للدواب أو في مواطن إقامتهم، حيث يبرمون الصفقات بآلاف الدنانير مع القصابين والوسطاء، وهو ما أكسبهم، نساءً ورجالا، خبرة كبيرة في عقد هذه الصفقات.


وذكرت بعض المصادر الصحفيّة، عن شيخ عارف من شيوخ “نجع قمرة”، الذي أكّد أنّ “القبيلة تبيع سنويا قرابة 400 خروف، وقطعانهم تناهز 1500 رأس غنم، أي أن مداخيلهم السنوية قد تبلغ 200 ألف دينار من بيع الأغنام فقط، دون بقية الأنشطة الأخرى إذا ما تم اعتبار أن معدل سعر الخروف الواحد قد يبلغ 400 دينار في المعدّل العام أو أكثر، إضافة إلى المداخيل المتأتية من بيع الجمال والنّوق، ذلك أن بيع “القعود” (صغير لا يتجاوز عمره الثلاثة أشهر) يتراوح بين 1600 إلى 3000 دينار.

كما جعل منهم تمرّسهم بمهنة تربية الأغنام والإبل والماعز “أطباء بياطرة” دون شهادات علمية. فرئيس القبيلة وأعيانها يجيدون فحص الماشية ويساعدونها على “التوليد” في الحالات المستعصية. هم أيضا يكشفون عن “الحمى القلاعية” و”اللسان الأزرق” وغيرها من الأمراض الأخرى، التي تصيب القطعان طيلة فترات العام.


خبرتهم هذه جعلتهم أيضا محل استشارة من قبل باقي مربي الماشية، الذين يستعينون بهم في الرعي إزاء مقابل مادي أو قطعة أرض يستغلونها في الرعي من بقايا موسم الحصاد، ذلك أن بقايا التبن و”القرط”، وهي من أشجار الزينة في الصحراء، تمثل الغذاء الأمثل للأغنام في الصيف، في حين يتم اللجوء إلى الأعلاف الأخرى على غرار الشعير و”القصيبة” في الشتاء، وهي حسب أهالي “النّجع” ذات كلفة عالية وتثقل كاهلهم بالمصاريف.

مخـــاطر محدقة

لا تخلو حياة هذه القبائل من مخاطر تعرّض قطعانهم للنهب من قبل قطّاع الطرق ولصوص الماشية، بالإضافة الى مخاطر الطبيعة، حيث يخشى أهل القبيلة أمطار الخريف التي تجرف ما ادخروه من مؤونة على امتداد أشهر الصيف، وهو ما جعلهم يستعجلون الرحيل مع بداية فصل الخريف.

ورغم تعدّد وثراء الأنشطة الاقتصادية لقبائل البدو في تونس، إلا أن الجهات الرسمية لم تورد إلى اليوم احصائيّات رسميّة معلنة عن عدد هذه القبائل، التي تمثل شكلا اجتماعيا خارج القرن الـ21. 


فالجبال والغابات والصحاري والبراري، تمثل الفضاء الأمثل لهؤلاء الأشخاص، على الرغم من ظاهر الوحشة والقفار التي تحيط بتلك المواقع.

فالكثير من التونسيين العاديين لا يقدرون على اتباع تلك المسالك الوعرة والأودية السحيقة والكثبان الرملية الموحشة ولا تجد غير الرعاة وبعض المغرمين بالطبيعة من يدخلونها ويخرجون منها بسلام.

0
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى غير قابل للنسخ.
إغلاق