يوم جديد في مقاطعة شينجيانغ الجميلة الساحرة كنا بالكاد نغمض العيون المتعبة من الحلّ والترحال والحركة كأننا تحولنا
نزلنا ببطحاء لا تحدّها حدود، وهناك في الوسط والتخوم شيّدت على أرضها بنايات منها عصرية المعمار شامخة الطول، ومنها عتيقة الهندسة أرضية الطوابق، وغير بعيد كانت كوكبة من أهل المكان وقد وردوا صوبنا وهم يحثّون الخطى حتى إذا اقتربوا أكثر من موقفنا الذي توقفنا عنده تبيّن لنا أنهم مجموعة من الصينيين كانوا يرتدون خوذات حضائر البناء، إذ تتوسط الفريق شابة لم نكن نعرف إن كانت قد تخطّت عتبة الثلاثين، ابتسم القادمون صوبنا، جميعا، ثم خفضوا رؤوسهم ورفعوها بتحيتهم المعهودة.
وشرع المسؤول في إجراء محادثة مقتضبة مع المجموعة ثم بدأ عمل المترجمان “زهرة” و”شريف” لينطلقا في ترجمة ما يلفظه لسان الشابة الصينية الجميلة التي عرّفت نفسها على أنها “مكلفة بالإعلام والتواصل” ومهمتها تسويق صورة “مشروع القرن” والتعريف به في أوساط الصينيين ولدى جيرانهم الآسيويين ولكل أقطار البسيطة.
سرنا مع المجموعة ترافقنا “المكلفة بالإعلام والتواصل”، وكانت تتكلّم بسرعة تنهمر معها الألفاظ الصينية كما تنهمر كأنها مياه “نهر تشيانتانغ ” الذي حدثنا عنه المترجمان “زهرة” و”شريف” وقالا إنه أهم وأطول أنهار المقاطعة، وكان المترجمان يلتقطان كلام المكلفة بالإعلام في لمح البرق ثم يترجمان ما يجود بها لسانها المنساب إلى اللغة العربية بطلاقة ووضوح، واستهلت المكلفة بالإعلام بتقديم المشروع، مستعرضة معطيات رقمية عن صاحبه ومساحته وتاريخ انطلاقه وآجال إتمامه.
وتوجهنا مع الفريق إلى بناية بدت من الخارج عظيمة البناء متفردة الشكل الهندسي إذ جمعت الضخامة والفخامة والبهاء والعلوّ لينتهي بنا المقام عند قاعة فسيحة مجهزة بأحدث تكنولوجيات دور العرض وصالونات المعارض حيث ثبتت في الوسط، إلى الأعلى قبالة المدخل الرئيسي، شاشة عملاقة تضاهي الشاشات العظيمة المثبتة في ملاعب كرة القدم المتطورة أوفي الساحات العامة لبعض الدول المتقدّمة.
أخذ منا الانبهار مأخذه وطفقنا نلتفت، يمنة ويسرة، ليزيدنا انبهارا النقوش والتجاويف التي تزيّن سقف القاعة التي امتلأت حيطانها بلوحات تباينت رسومها، في الإشكال والصور والألوان، بين عتيق وحديث، ودعينا إلى مشاهدة شريط وثائقي قصير عن المشروع حينها فغرت أغلب أفواه أفراد الفريق الذين مازالوا تحت وابل الصدمات المتلاحقة جراء هذا “السحر الصيني” الذي ظهر لنا استحالة فكّه.
انتهت الدقائق الخمس من عمر الشريط الوثائقي لنجد أنفسنا أمام “تنّين” مهيب لا يمكن دحر زحفه ولهيب النيران الهادرة التي تتوهج من فيه الكبير، هكذا أقنعت وأسلمت بالواقع المحسوس، ولم أزل ورفاقي على وقع المفاجأة ولم ينزعنا عن ذلك حتى الصوت الجهوري للمكلفة بالإعلام والتواصل وهي تورد معطيات موثقة بمؤشرات إحصائية حول هذا المشروع العملاق والعالمي.
وقالت المتحدّثة: “مشروع القرن عبارة عن قطب اقتصادي وتجاري وبنكي وسياحي وثقافي ورياضي عملاق جدا أقيم على آلاف مؤلّفة من الهكتارات”، مضيفة: “مشروع القرن يضمّ قاعات للعرض المسرحي والسينمائي وسلسلة من المطاعم، وملاعب لكرة القدم واليد والطائرة، وملاعب لكرة المضرب وملاعب صولجان ومسابح ومركض للفروسية وحتى السيرك موجود“.
ولفتتالمكلفة بالإعلام والتواصل النظر إلى أن “مشروع القرن بهذه المنطقة والمرتبط وثيق الارتباط بـ “بحيرة تايهو” ارتباطه وثيق وبشكل أساسي بـمشروع آخر لا يقل ضخامة وحيوية ألا وهو مشروع “نفق تايهو”، وأخبرتنا محدثتنا أن هذا النفق العظيم انطلقت أشغال إنشائه في مستهل شهر جانفي 2018، أي قبل زهاء 9 أشهر فقط من قدومنا إلى الصين التي حللنا بها في المنتص الثاني من شهر أكتوبر من نفس العام، سالف الذكر.
وقد أطلعتنا المكلفة بالإعلام على تفاصيل ضافية ودقيقة تخص مشروع هذا النفق من ذلك أنه يقع تحت “بحيرة تايهو”، ثالث أكبر بحيرة للمياه العذبة في الصين، ويمتد بين مدينتي تشانغتشو ووشي بمقاطعة “جيانغسو”. كما علمنا “نفق تايهو” الذي يعد أطول وأوسع نفق لطريق سريع تحت الماء في الصين، يعتبر أيضا جزءا أساسياً من “طريق تشانغتشو – ووشي” السريع، الذي يهدف إلى اختصار المسافات وتحسين الربط المروري في المنطقة الاقتصادية الحيوية بشرق الصين جانب النفق، شهدت بحيرة تايهو مشاريع بيئية مستمرة لتحسين جودة مياهها، حيث تحسنت البيئة الإيكولوجية للبحيرة بشكل مطرد في السنوات الأخيرة، لتصل جودة مياهها إلى مستويات جيدة مقارنة بالماضي.
وانتهت المكلّفة بالإعلام إلى القول، والبسمة تعلو محيّاها:” لا تتعجبوا إن أخبرتكم أن مشروع القرن فيه مهبط للطائرات أيضا، وفيه كل المعايير وسخّرت له الإمكانيات لتحطّ فيه الطائرات الخاصة بمختلف أنواعها.” وصار من الطبيعي ألاّ نعجب مما نرى ونعاين من منجزات ومعمار وبصمات صينية متفردة في العمارة والتجارة والطريق وفي كل الأنحاء والمناحي ذلك أن أن “بحيرة تايهو” إلى جانب ما تقدم تمثل مركز ثقل هام لمشاريع وبرامج بيئية رائدة يشع مدارها لا فقط على محافظة شينجيانغ ومدنها وقراها وانما يذيع صيتها ويتردد صداها في كامل جمهورية الصين الشعبية.
(قيس العرقوبي)
