إثر غداء لذيذ تنوعت مكوناته، وقد عبقت روائحها الزكية، لتنبعث في أرجاء المطعم الفخم التابع لإدارة “مجمّع شيجيانغ للإذاعة والتلفزيون”، كنا على موعد متجدد للتنقل إلى منطقة أخرى من الإقليم الشاسع الواسع المترامي حيث تمت برمجة زيارتين متزامنتين إذ ستكون مدينة “هنديانغ” السينمائية والمسرحية وجهتنا الأولى، ومن ثمة نحط الرحال ب “قصر أسرة تانغ” التاريخي.
جال بنا “الباص” في شوارع المدينة لينعطف بنا يمينا تارة ويعرّج على اليسار تارة أخرى لنجد أنفسنا قد أمضينا زهاء ساعة حتى وصلنا إلى بناية عظيمة لا تقل فخامة وعلوّا عن سلسلة ناطحات السحاب المتلاصقة في شكل هندسي بديع حيث أذن لنا المسؤول المرافق ومساعدوه بالنزول ودخول باب إحدى الفضاءات في أول مداخل العمارة الضخمة الشاهقة.
دلفنا إلى الداخل لنجد أنفسنا أمام فضاء شاسع فسيح امتلأ بمعروضات شتّى وعجّ الفضاء برايات لبلدان عربية وأجنبية وانتشرت هنا وهناك أعلام دول افريقية وآسيوية وأوروبية، ووجدنا أنفسنا نتبادل التحية والمصافحة مع الحاضرين الذين كانوا من الشباب، وهنا تقلّد المسؤول المرافق مسؤولية الإعلام والتفسير وتعهّد المترجمان، كعادتهما، بمسؤولية الترجمة بالتناوب.
وعلمنا أن الفضاء هو مساحة نموذجية للتسويق، ويندرج في إطار المبادرة التي أطلقها الرئيس الصيني “شي جين بينغ”، والمعروفة بمبادرة “الحزام والطريق”، وعرفنا أن المعروضات المتراكمة، في غاية الترتيب، هي من البلدان التي صادقت على العمل وفق هذه المبادرات، وراوحت المعروضات بين الصناعات اليدوية والتقليدية وبين الصناعات التكنولوجية المتطوّرة.
لم نخف انبهارنا الوارف بحجم العمل ومقدار الجهد الذي يبذله الصينيون من أجل أن يكونوا من سكّان القمّة في كافة الميادين، ولم نخفي دهشتنا التي كانت بادية على تقاسيم كل فرد من أفراد الفريق الزائر، ولم نزل بالمكان نستكشف في مضمون المعروض ونفكّر في مرامي العارض حتى قيل لنا بلباقة وبابتسامة صينية لم نعهد أنها فارقت مرافقينا من أهل البلد:
– “نعلمكم أن برنامج اليوم ينتهي عند هذا الحدّ، والرجاء التوجه نحو “الباص” للالتحاق بالنزل في المنطقة التالية“.
وبعد مسير ساعتين، تقريبا، بلغنا الفندق مع انسلال الشمس إلى مغربها، ولم يكن المبيت الجديد يختلف عن سابقيه، في النظافة والفخامة والمهابة الهندسية، ولكن فقط يتجلّى التباين في الطراز البديع الذي يرجع إلى خصوصية كل منطقة دون أخرى حيث يعكس الفندق إرثا تاريخيا يعكس تراث وتاريخ الأهالي، ولعلّ الصين فيها ملل ونحل لا تحصى ولا تعدّ.
وجدنا رتلا من السيارات المتلألئة بفوانيسها الرفافة، وجدناها أمام البوابة وقد تحلّق حولها كوكبة من الصينيين، وقد يشخص للرائي منذ الوهلة الأولى أن المحفل لا يعدو أن يكون سوى حفل زفاف أو ما شابه من أفراح، ولم نزل أمام المشهد لبرهة حتى أذن لنا المسؤول المرافق بالنزول من “الباص” حيث استقبلنا عند أول موطئ لأقدامنا مسؤولون عن الفندق، وهو ما تعودنا عليه منذ مجيئنا للبلاد، نفس الابتسامة والتحية الرأسية وتواضع كبير، وفي كل مرة أقول:
– “أمرهم عظيم هؤلاء الصينيين، لا غرابة في ما وصلوا إليهم من نجاح“.
***
صباح اليوم التالي، أفطرنا في المطعم الكبير للفندق وكان يعجّ بالعرائس وأهاليهم الذين رأيناهم مساء الأم قد هلوا على المكان (عرس جماعي إن صح التوصيف) فانجلى المشهد كأنه مقتطف من رواية “ألف ليلة وليلة” حيث انتشر الصينيون والصينيات في ملابس تقليدية بديعة تسرّ الناظرين وبدت العرائس وصاحباتهنّ في حلل حريرية مختلفة الألوان زادتهنّ بهاء وضياء النقوش الجميلة الظاهرة للعيان من بعيد في أياديهنّ وأرجلهنّ، وكأنّ بالرائي يرتحل من مدن مكوكية شيّدت على القمر إلى زمن الصين البعيدة التي نرى شعوبها بعاداتهم ولباسهم وبيوتهم في أفلام الأسود والأبيض أو تلك الأفلام الملونة التي رأت النور في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات.
امتطينا “الباص” ليأخذ إلى مدينة “هنديانغ” السينمائية والمسرحية حيث أعلم المسؤول المرافق أنّها مدينة كاملة تضاهي في محتوياتها وعظمتها “هوليود” و”ديزني” وطبعا كنّا لا نجرأ على عدم تصديق ما يقوله المسؤول الصيني وكذلك المترجمان فنحن بصدد معاينة صدق ما يقولون بل ما يقولونه هو متواضع لما نعاينه في الواقع المحسوس، ولم تدم الرحلة بين الفندق والمدينة السينمائية سوى نصف ساعة.
وصلنا وإذا بالمسؤول الصيني يطلق ضحكة خفيفة قائلا:
-“ستجدون أنفسكم داخل مسلسلات الصين وأفلامها منذ العصور القديمة وإلى اليوم، ولا تندهشوا فأنتم في مدينة سينمائية حقيقية وستجدون ممثلين ومخرجين ومصورين بصدد العمل، وستواكبون العمل على المباشر“.
مضينا نجوب المدينة السينمائية فأجمع بعضنا على أنّها “أعجوبة الدنيا الثامنة” المسكوت عنها وربّما ذهب رأي البعض إلى أنّها تفوق “هوليود” و”ديزني” وغيرها من ناحية التراث المعماري والذوق الهندسي والأثاث والأدوات والأسلحة العتيقة المستخدمة والثياب التاريخية إلى جانب الوجه الثاني للمدينة التي تضمّ “استوديوهات” عصرية فائقة التكنولوجيا.
– أمر هذه الصين عجيب.”؟! ، هكذا همس لي أيضا زميلي الجزائري “سعد“. مثلما كنت أفعل مع نفسي وأنا أمرّ من أعجوبة إلى أخرى.
ما زلنا نجوب أنحاء المدينة السينمائية فاغري الأفواه حتّى دعينا إلى حضور عرض مسرحي لفرقة مسرحية محليّة، وفي لمح البصر تمت إجراءات اقتطاع التذاكر وأدخلنا من بوابة “الضيوف المبجلين”، جلسنا بين خلق غفير فكأننا بيوم الحشر في قاعة تضاهي سعتها البشرية أو تفوق بعض ملاعب كرة القدم عندنا.
ولم تستسغ عقولنا على سعتها هذا الكمّ الهائل من البشر ذوي السحنة المتشابهة وهذا التنظيم المحكم الذي لم يكلّف أهل المكان أكثر من خمس دقائق للترحيب بنا وتدبّر مقاعدنا وإهدائنا بعض الورود، ولم تستسغ عقولنا أكثر عرضا خرافيا لمجموعة من الشبان والشابّات اليافعين الذين جمعوا بين عالمي الإنس والجنّ، ولم يكن الأمر من قبيل المبالغة بل كان العارضون والعارضات يسحرون أعين الناس، وخلبت ألبابنا القصّة والمشاهد والديكور والموسيقى، هي كلّها عمق قصّة وصدق أحاسيس.
ولم يزل بنا الرّوع ولم تذهب عنّا الدهشة حتّى سيق بنا إلى “قطار الرّعب” حيث تجد نفسك في مواجهة الأشباح والدهاليز والوحوش العظيمة ذات الأشكال المختلفة التي صنعها خيال الصينيين وغيرهم من سكّان المعمورة، ولم تكن الرحلة على القطار بين الكهوف الموغرة عبثا واعتباطا بل مثلها مثل بقية برنامج الدورة التدريبية لم يتمّ ضبطه عن الهوى بل كان فيه مغزى، علمه من علمه وجهله من جهله.
أتممنا جولتنا في “هنديانغ” بين التعجّب والرّعب واللهو والأحاديث الجانبية لنمضي بـ “الباص” إلى مطعم متاخم للمدينة السينمائية أين كنا على موعد مع غداء تقليدي وخرافي لم يكن يقطع عن الأجواء التي كنا نعايشها.
***
بعد الغداء توجهنا إلى قصر منيف، عظيم البنيان فسيح لا تكاد تحدّه حيطانه العملاقة، وأخبرتنا المترجمة “زهرة” التي كلّفت بمحاورتنا أنّ القصر يعود إلى أسرة شهيرة ذات الصين في أرجاء الصين المترامية، كانت هذه الأسرة تحكم الصين ذات عصر وتعرف تسمية “أسرة تانغ” وحدثتنا خلال جولتنا في ردهات القصر عن صولات وجولات القادة من سلالة هذه الأسرة وخاصة ما بذلوه من جهود في توحيد شعوب الصين المختلفة.
وجال بنا الجائلون في كل ردهات القصر وأركانه الدنية وزواياه القصيّة، وحدّثنا المترجمان، بالتناوب، عن وقائع تاريخية فارقة في عهد الأسرة الملكية ومآثر قادتها ولم يغفلوا عن صولات وجولات بقية القادة المشهورين في التاريخ الصيني القديم، ولم يخفت للمترجمين كلام خاصة عن الخصال الوطنيّة والعسكرية لأسرتي “هان” الكبيرة والعريقة وكذلك “مينغ” وعرفنا أن قرابة مليار من الصينيين اليوم ينحدرون من سلالة أسرة “هان”، ويلفظونها “خان“.
خرجنا من القصر بعد ساعة ونصفها، وودعنا حرّاس البوابات الكبيرة تباعا ولم تنفك عيوننا تتلهّف إلى ثيابهم التاريخية ملاصقة بسيوفهم ودروعهم التي أمسكوها بقوة فلم يفلتوها، وانبهرنا بعض الوقت برباطة الجأش البادية على ملامح كل حارس حيث القامة فارعة مستقيمة، الصدر بارز وسيف ودرع الأوّل بيمناه والثاني بيسراه، لم نفرّق وقتها بين صين الصواريخ والهواتف الذكية والصناعات الفائقة وبين صين الفارس والجواد والحراب، “أمر هذه الصين محيّر”، هكذا الحوار المقتضب الذي دار بيني وبين عقلي الباطن وعقلي الواعي.
(قيس العرقوبي)
