تقريبا هذا هو العنوان الكبير والتمشي الأساسي التي تنهجه الدولة التونسية في هذه المرحلة المفصلية، وهي بذلك وبشكل غير مسبوق تقود حملة شعواء شرسة تستهدف جهرا وبلا هوادة كل معاقل الفساد، لتطال يد الدولة غضيضا من فيض أنماط الفاسدين والمتجاوزين والمنحرفين الذين تناسلوا وتكاثروا بسبب تغطيات سياسية وسلطوية امتدت لعقود إذ تمضي تونس في ملاحقة كل من رقصت قدمه في مرتع الفساد والجريمة، وهي تؤكد في كل المرأة أن هنالك متابعة ومراقبة مستمرة حتى تثبت الحجة ويقام البرهان على أصحابه.
وإذا عدنا إلى الخطابات الرسمية في تونس نجد أن هناك حرص من أعلى هرم البلاد بأن كل من ثبت تورطهم في التعدي على حقوق العموم والخواص وفي نهب المال العام هم، تحت طائل القانون والمحاسبة، وقد أطاحت الأجهزة برؤوس كبيرة تدعمها شبكة واسعة من المتعاملين معهم. في خطوة لم تشهدها الدولة من قبل ذلك بعد استفحال نتج عنه إخلال بالقانون وإثراء مشبوه ومتاجرة في الممنوعات والبشر وتبييض للأموال بشكل لافت وخطير ويهدد أمن الدولة والإستقرار الاجتماعي والمجتمعي.
اختارت تونس الذهاب في طريق هدم أعمال الفساد والتشديد على الفاسدين والتضييق على الجريمة بكافة أشكالها وهو خيار الدولة فئ رؤيتها الجديدة وسياستها العامة المرتكزة على اجتثاث الفساد والإطاحة بأباطرته لذلك قامت بتصعيد حربها على الفساد والمفسدين لتطول رؤوسا كانت لعقود مديدة في قائمة الممنوع لمسهم بل والذين حظيوا بتغطية بحصانة خاصة دامت لعشرات السنين جعلتهم فوق كل مساءلة أو محاسبة وفي حصن من كل مساءلة الأمر الذي فتح أمامهم المجال فسيحا ليركزوا امبراطورياتهم، إمبراطوريات الفساد والانحراف والاتجار بالممنوعات وبالبشر وتبييض الأموال والتعدي على أي كان متى كان ذلك مرغوبا بحكم المزاج والأهواء وفي ظل انكفاء الدولة واستبعادها.
لقد اختارت تونس الجديدة ان تضع النقاط على الحروف وتوقف نزيف التعدي على الدولة ومواطنيها، كما رفضت الدولة ان تكون لقمة سائغة او طرفا للمقايضة على هيبتها وسيادة شعبها، كما رفضت ان يسومها المفلسون من مجرمي البشر والعملة والممنوعات، وهي التي لديها الحق، وهي التي لديها الشرعية والقانون، وهي التي لديها الأدوات والقوة الكفيلة بانهاء كل جرم وانتهاك يضر بسيرورة الدولة ومصالحها او يمس بكرامة شعبها وأمنه واستقراره.
كل الأقطار التي نجحت في نحت تجاربها، بدأت في المستهل بجهر مؤسساتها وأجهزتها من الفساد والفاسدين كما أعلنت حربا لم تضع أوزارها حتى حققت أهدافها، أو معظمها على الأقل، لأن ذلك السبيل إلى التقدم وإعادة حق الدولة وحق الشعب المنهوب الذي يضرب الاقتصاد والمجتمع وكل مرافق البلاد في مقتل زيادة على ان كل فاسد في مؤسسة أو جهاز هو قنبلة موقوتة وهو سوس ينخر ومعول يهدم.
(قيس العرقوبي)
