ما قدّمه الشعب التونسي من دروس وعبر كثيرة، وما يبعث به من رسائل إلى الداخل والخارج في كل مرّة، يترجم فعلا خصوصية واقعية ونموذج ملهم لشعب يعلم جيدا، وعلم اليقين، من يصلح ليحمل أمانته ومن يحقق إرادته ومن يمكنه خدمة تونس بهمّة وضمير وحسن طوية ومن لا يصلح لذلك، هذا الشعب الذي عند انحرف الذين وضع فيهم ثقته وسلمهم مفاتيح الأمور وفوضهم لتسيير دواليب الدولة، عند انحرفوا ولم يكونوا موضع الثقة وفي مستوى الأمانة دحرهم كما دحر سابقيهم ووضعهم على قارعة المشهد، فالشعب التونسي أثبت ويثبت دائما أنه ليس بالخبّ ولا الخبّ يخدعه، إلى ذلك متحضر ومسالم داحضا بذلك كل الادعاءات الواهية والاسطوانات المشروخة كونه شعب ميّال للعنف والفوضى وغير ناضج، وهو ما كان يروّج له ساسة الأمس وفيء من كينونات الأجندات في الخارج.
ولقد أثبت الشعب التونسي أنه أضحى فعلا “سيّد نفسه وقراره” رغم حملات التشويه والإشاعة والتزييف وكل أشكال التخويف، ولقد كشف، بجلاء كاشف، أنه أمسى، أكثر من أي وقت فات، فطنا وواعيا وذكيا ويصعب استمالته او التأثير عليه عبر المنابر التي تم ومازال يتم توظيفها لغايات شخصية ومآرب ضيقة وأجندوية.
وقد عرف أصحاب الأجندات والسماسرة الذين كانوا دائما وأبدا وراء الأكمة ينسجون خيوط السوء للشعب العريض، عرفوا عبر ما قدمه الشعب من دروس قيّمة، وإن لم تفهم ويستسيغها المعنيون بها رغم أن قلوبها استيقنتها، ورأى وعاين الجميع ذلك شاخصا للعيان لا سيما في انتخابات 2019 وتحديدا الرئاسية، التي أطاحت بـ “معلّمي اللعبة السياسية” الذين كانت لهم اليد الطولى والنفوذ الواسع مترامي الأطراف لكنهم رغم ذلك منيوا بهزيمة ساحقة ماحقة، ليس أمام “المنافس الانتخابي” (أيا كان هذا المنافس)، وإنما انهزموا بالضربة القاضية التي وجهها إليهم الشعب الذي وعدوه وكذبوا عليه وانصرفوا إلى مصالحهم وما يشغلهم، هؤلاء جهلوا أو أخذتهم الغفلة بأن شعب تونس صار قويا بشكل يستطيع معه أن يعاقبهم متى شاء، لقد صار الشعب التونسي أذكى من حيل المحتالين ومطلّعا مخاتلات المخاتلين وهو، إلى ذلك، له من الدراية والعلم الوارف بمخططاتهم لذلك وثّقهم وربطهم بحبال حيلهم بعد أن كشف كل الألاعيب والاساليب القذرة لحكم البلاد.
فالتونسيون الذين هشموا أصنام الذين لولاهم لما ظلت السماء في مكانها ولسقطت على البلاد والشعب لم تعزهم القدرة على اتلاف فزاعة الخوف والتواري والصمت هلعا من أحذية وازرار وقبعات بوليس النظام السابق ومن تبعه، ولقد أمسى الشعب والبوليس والحرس والجيش جميعهم راهنا في حديقة وئام شعبي ووطني أرغم أنوف الذين سجنوهم جميعا في دهاليز سياسة “فرّق تسد”.
فالشعب التونسي يعلم درجة الأهمية التي تعنيها سيادة تونس واستقرارها، لذلك فمو شديد الحرص على عدم الانجرار وراء اية ترهات يمكن أن تودي بما أحرزه من خطواته لذا تجده، بما في وسعه، يحافظ على مكتسباته ويتصدى بإرادته التي انهارت أمامها أسوار الديكتاتورية وانقشعت في مواجهتها سحب الافساد فلا مجال في “تونس الجديدة” لفتح باب الانحرافات من جديدة ووضع البلاد في عين الإعصار، لا مجال للعودة الى التلاعب البلاد ووضعها في سوق البورصة والمزادات والرجوع بتونس إلى مربع التبعية والوصاية والجذب من الأذنين والشعر.
دروس الشعب فهمها واستساغها واستيقنها زخم من أهل الذكر لكن أعرض ونكص عنها الذي تعاظمت شطحاتهم وهم بالأراجيف يرجمون البلاد وأهلها عمدا وإمعان بالترهات، ما يجب الإشارة إليه في مقام كهذا هو أنه عليه ان يفكر ألف مرة ومرة كل من تسول له نفسه استهداف تونس والمس بسيادتها او التعدي على إرادة شعبها وخياراته، فلا احد مخول لأن يملي اشتراطاته على تونس او يمكنه التدخل في استقلال قراراتها أو يسطر لها سياساتها بدلا عنها فكل من ولج مدار العبث من هذا القبيل يضع نصب عينيه انه سيواجه شعبا بطم طميمه فهو من ترتكز عليه قوة هذه الدولة وثباتها، وهو أيضا من تستمد منه مؤسسات البلاد والسلطة القائمة شرعيتها، لذا فإدخال أي طرف اجنبي في ألعاب بهلوانية واستعراضية لن تجدي نفعا للذين يعشقون منابر الفتنة والذين يشدون الرحال إلى مسارح الفهلوة والمزايدة، فإنما ذلك من قبيل الاعتباط والخبط العشواء والعبثية التي لا تستهوي التونسيين بقدر ما تقرفهم.
فمن الدروس والعبر التي يقدّمها عموم التونسيين أنهم اختاروا أن يكونوا دوما في صف هذا الوطن الأم سواء حسنت الأحوال أم ساءت، لا سمح ولا قدّر الله، فتلك فطرتهم التي جبلوا عليها وذلك ديدنهم الذي درجوا عليه، فهؤلاء البررة لا يقبلون أن تشوك الشوكة وطنهم، وهم مجبولين على منازلة كل هؤلاء الذين يتقافزون وراء كل سراب وخواء.
ومن دروس الشعب أيضا أن تونس، الوطن الأم يحتاج أن يتحلّق حوله كل أبنائه البررة الذين يهفون إليه ويريدون له ولشعبه كل خير، ومنعة وازدهار ورقيّ.
(قيس العرقوبي)
