تواجه تونس حروبا شتى أبوابها مفتوحة على مصراعيها تماما كما تفعل مع الحرائق التي تندلع كل مرة في مكان هنا أو هناك، فيهي إلى جانب الخطو في اتجاه خلاص ديونها المتراكمة التي هي تركة ثقيلة لعقود بسبب فشل الذين تواتروا على قيادة السلطة وحكم الدولة، فشلهم في غدارة الأمور، وعجزهم عن توخي مناهج للتصرف والحوكمة، مما أدى بالبلاد إلى حدود 21 جويلية 2021 إلى الوقوف على عتبات الصناديق الدولية المالية، وقوف العاجز المتسول السقيم، بل بلغت الدولة حدود التخمين بالذهاب بها إلى طريق.. “نادي الوصاية”، والعودة إلى المربع الذي أوصل فيه بايات تونس البلاد إلى ما يصطلح عليه بـ “وضع الحماية” الذي وضع الدولة وشعبها على حافة الهاوية ثم بعد ذلك تسليمها لقمة سهلة جاهزة لإستعمار جثم لزهاء 75 عام، استنزف البلاد ووضع كل الشعب في خندق..
ما تواجهه تونس من حرب حقيقية لا يتوقع أبدا أن تضع أوزارها، هذه الحرب
- مستوى للدعاية السياسية، وتطال كل المؤشرات التي تسجلها تونس، في شتى الأصعدة لاسيما في صعيدها الاقتصادي والتنموي وكل متعلقات الدولة ودواليبها.
- الثانية حرب على “الأشخاص العموميين”، وهم الذين تناط بعهدتهم مسؤوليات رسمية من أعلى هرم الدولة إلى أصغر صاحب قرار ومسؤولية ذلك في صلة بالأداء والأهلية ومرادفاتها، وهو ما تتركز عليه الحرب في هذا المستوى.
- التسارع المتواصل في وتيرة إضرام حرب “الإشاعات” و”ماتراكاج خارجي” لم تشهد له تونس مثيلا في كل الفترات والمراجل التي أعقبت الثورة بكل ردهات وخصوصيتها، هذه الإشاعات “الماتراكاج”، هذه الحرب التي تستهدف في الظاهر أو في مقصدها الأول خيارات رئيس الجمهورية قيس سعيّد وسياسته لكنها في العمق إنما تستهدف تونس الدولة وتضرب مصالحها الدبلوماسية والاقتصادية..
وما يلاحظ أن تونس تنتهج سياسة خصوصية تقوم على عدم التفاعل ورد الفعل الفوري بموازاة ذلك تتوخى منهجية تقوم على الإمتصاص وحصر المسائل في مدارها ذلك بتغليق الأبواب أمام أي تجاوب مع الإشاعات وحملة “الماتراكاج” بما يفضي إلى ربح المساحات بخصوص عدم الانجرار للتصعيد وإفقاد الخصوم التوازن عبر التغافل والتجاهل..
أما سبب هذا “الهيجان” غير المسبوق في تشويه تونس له دوافعه العميقة فليس سهلا بالمرّة أن تتمسّك بأن تكون حرّا وصاحب قرار مستقل في فلك دولي موسوم بالتبعية وتحكمه الإملاءات واشتراطات القويّ على الضعيف، وليس أصعب من الذهاب في طريق “السيادة” و”استقلال القرار”، بما يحفظ هيبة دولة وكرامة شعب، هذا هو المستحيل عينه في العالم الجديد القائم على أنقاض منظومة “القوالب والضوابط والحدود”، قوالب وضوابط وحدود وضعتها قوى تتحكّم في المشهد الكوني وتحكم صورة الوجود البشري وكذا شؤون الدول، تتحكّم وتحكم بمنظارها وبما يخدم مصالحها ويحفظ مجالاتها الحيوية بماهي مدخرات وثروات ليست على ملكها وتنتفع بها، حتى لا نقول تحرص على استمرار استنزافها، وهي على ملك دول وشعوب غير دولها وشعوبها.
في غمرة هذا المشهد المتلبّد القاتم القائم على سياسة القوة والهيمنة والغطرسة بتوخي أساليب شتى لفرض هذه القوة وهذه الغطرسة وهذه الهيمنة، وتوظيفها جميعها لتركيع المستهدفين بها، وفي خضم المشهد القائم على “الذين اتّبعوا والذين اتّبعوا””، (بفتح التاء الأولى لفعل اتبع وبضمها في الثانية)، في غمرة وفي خضم ذلك خيّرت تونس بل قرّرت أن يكون لها خاصيتها وأن تحفظ خصوصياتها، وتحافظ على سيادتها واستقلال قرارها وتحفظ كرامة شعبها، أي أنها خيّرت وقرّرت أن تغرّد خارج السرب مثل بعض البلدان القلائل جدا التي فعلت ذلك.
الأمر صعب وغير مستساغ ومستحدث لكن تونس تسير اللحظة في ركابه، فتونس اليوم ومنذ الفترة الأخيرة تسير في طريق تخطت فيه القوالب الموضوعة والحدود المرسومة وقد رفضت حتى لا نقول ضربت عرض الحائط بالإملاءات المسلّمة والإشتراطات المفروضة، وقد رفضت الدولة والشعب، كلاهما رفض التدخل الأجنبي ومحاولة فرض أجندات أو وصاية أيا كان شكلها ومضمونها، ولعل ذلك يحصل وهو سابقة في تاريخ الدولة التونسية، وتحديدا في مساريها القيادي والدبلوماسي، ذلك هو أن تونس في الطريق الذي تسلكه الآن رفضت علنا كل محاولة لأي تدخّل أجنبي في شؤونها الداخلية إن بالضغط على قراراتها الداخلية أو في صلة بالإنحشار وتوجيه سياساتها الخارجية، وهو ما بات يحسب ويلقى تثمينا في أوساط عموم الشعب التونسي وفي صفوف حتى الذين لا يقاسمون الرأي مع التمشي الجديد.
• المتابع للواقع بتجرد، يعاين كيف استطاعت تونس في ظرف قياسي أن تدير عقارب بوصلة تونس من الغرب نحو الشرق رغم ما تحمله تونس من ثقل غربي على اكتافها وبين ظهرانيها ورغم وما تتلقاه من ضغط ومحاولات احتواء وتوجيه وهيمنة، ويكتشف بموازاة ذلك أن تونس التفتت ناحية الشرق بكل تمعن وتفحص لتبعث برسالة إلى كل العالم تقول فيها أنها شرعت في تنفيذ ما هو مطلوب بخصوص أن تونس هي فعلا دولة من دول عدم الانحياز وليست تابعا لأحد، وأنه من يريد أن يتعامل مع تونس كدولة حرة ذات سيادة فستتعامل معه الند للند وان ابى ذلك فالعالم مفتوح وكثر هم من يريدون نسج علاقات معها.
أما مهاجمة تونس أو المزايدة عليها ليس غريبا إذ لا يستغرب البياض الأعظم من التونسيين أن تكون تونس طبقا رئيسيا في منابر الإعلام ذلك لأنها خالفت السائد وكسرت المسلّمات التي تصنّف الشعوب وترسم خانات لدول قوية معصومة وأخرى ضعيفة مهزومة مكتوب علها ألاّ تقود نفسها وأن تأتمر بأوامر تلك القوة التي ترسم لها أقدارها وأقدار شعوبها التي تستضعفها متى تشاء؟؟ ولا يستغرب البياض الأعظم من التونسيين أن تتم مهاجمة تونس وتقاد ضدها حملات مزايدات وتشويه تطال كل المستويات، لا يستغرب التونسيون ذلك لأنهم يعلمون أن تونس في عين الإعصار لأنها من آخر المعاقل التي بقيت في منعة عن التدخل الأجنبي المباشر وأرضها حرة أبيّة تونسية تونسية صميمة صرفة.
لا يكاد يختلف عاقلان أن مثل هذه “المزايدات” سواء منها الإعلامية أو السياسوية تحديدا لبعض الأطراف غير التونسية التي يهالها السيادة التونسية الكاملة، أما دافع هذه “المزايدات” فهو الإمعان في الضغط على تونس من اجل تبديل بوصلتها الجديدة وتغيير المسار الذي انطلقت فيه بهدف ثنيها عن التوجه التحرري وحرصها على الفكاك من الهيمنة السياسة والإقتصادية والمالية الخارجية وانتهاج دبلوماسية “تنويع الشراكات” و”فتح الأبواب المحرّمة” بما يتماشى، أولا وقبل كل شيء، مع مصالحها وتطلعات الشعب التونسي وتحقيقا لارادته، فلقد رفعت تونس صوتها وقطعت الحبل السري للوصاية والتدخل الأجنبي، فعلتها وانتهى الأمر، وليس أصعب من الذهاب في طريق تحقيق “استقلال القرار الوطني”، والسعي لحفظ السيادة الوطنية الكاملة. فالشعوب ذات الإرادة الصلبة لا تفتح مجالا للتدخل في شؤونها، لأنها تملك القدرة على تحصين نفسها. فكلما ازدادت إرادة الشعوب تماسكا وحيوية انحسر التدخل فيها وكلما تهاوت الإرادة رتع ذاك التدخل بارتياح.
واقعيا، تبقى تونس من الدول المعروفة بمواقفها السيادية في وقت الهروب الكبير من قيم الهوية والإنتماء والتأصل وخدمة قضايا الأمة العربية والإسلامية، لاسيما قضية الشعب الفلسطيني العادلة” وحقه في دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وهو ما جعلهما عرضة لأجندات محبوكة بإحكام، تعكف على محاولة ضرب تونس ومحاولة إحداث إهتزاز يمس استقرارها إن بالمزايدات أو التشوه أو إثارة الفتنة بين أبناء الشعب الواحد الموحّد، لذلك لم يكن مستبعدا أن تتكثّف المنابر وتكثر العناوين الواهية ليتم الترويج بأن تونس على شفا “حرب أهلية” أو “انفجار اجتماعي” أو ما شابه من مصطلحات خاوية بمرادفاتها القفراء.
وهنا يكاد يجزم كل عاقل أن استهداف تونس هو في جوهره استهداف الأنظمة الوطنية المعروفة بدفاعها عن سيادة شعوبها واستقلالية قرارها وحرمة ترابها الوطني.
