لم يكن مستساغا أن أتطرق إلى رحلتي إلى بكين وشينجيانغ ثم أعبر عبور الكرام دون أن أتحدث عن الشابين الصينيين “زهرة” و”شريف”، فلم يكن ذلك منطقيا بالنسبة لي أن أسرد ما سردته عن هذه الرحلة المميزة دون أن أذكرهما وأستحضر ما بذلاه من جهود قيّمة ومضنية، وما أنجزاه من أعمال احترافية، هذان الشابان اليافعان من شباب الصين الواعد المسؤول الذي حمّل كبير المسؤوليات فحملها وتحمّلها على أتم الوجوه، قد أودعت فيهما الثقة كاملة فكانا محل هذه الثقة، وكانا في مستوى المسؤولية رغم عظم وزرها، ولعل ذلك ديدن شباب البلاد كل في مجال عمله وحقل تخصصه.
لقد أدركنا منذ الوهلة الأولى لحلولنا بمطار بكين، ولقائنا الشابين الصينيين “شريف” و”زهرة” (للتذكير: هما مرافقا الترجمة من الصينية إلى العربية والعكس صحيح)، أدركنا جسامة التعويل والثقة البالغة التي وضعتها الصين في شبابها من الأولاد والبنات على حد السواء، فلقد وضعت الصين شبابها في الواجهة وكلفته بمهام رسمية ومهمات حيوية وحساسة في نفس الوقت، فلم تذهب ثقة الصين هباء وكان شبابها خير مدرك وممنون لهذه الثقة وخير حامل للمسؤولية.
أدركنا ذلك وعلمنا كذلك ما يوليه الرئيس شي جين بينغ من اهتمام دائم بالشباب وتثمين كبير لمؤهلاتهم وقدراتهم واستعداده لمخاطبة هؤلاء الشباب والاستعانة بدعمهم وحماسهم لتحقيق “الحلم الصيني”، وفق رؤية ريادية، تربط بين نمو الفرد، والاستثمار في التعليم، والإحساس بالمسؤولية الوطنية، لصناعة مستقبل مشرق، فالصين تتبنى رؤية استراتيجية شاملة تجاه الشباب، تضعهم في قلب خططها التنموية طويلة الأجل، لا سيما مع طموحها في التحديث الشامل تركز هذه الرؤية على تنشئة جيل مبتكر ووطني يساهم في “النهضة العظيمة للأمة الصينية”، بينما تواجه الأمة الصينية في الوقت ذاته تحديات اجتماعية واقتصادية جمة.
ولعل الاهتمام البالغ الذي يوليه الرئيس شي جين بينغ للشباب الصيني بمختلف شرائحه يظهر شاخصا للعيان بالخصوص في احتفال الصين بـ “عيد الشباب” (يوافق الرابع من ماي من كل عام) وإذ يجتمع دائما للحديث معهم ومناقشة اهتماماتهم، وتشجيعهم على بذل الجهد لتحقيق أحلامهم والسعي بشجاعة في التبادلات من الخطب والمناقشات والرسائل.
وحتى نكون أوفياء للأحداث ننقل الصورة، كما هي، على حقيقتها، وكي نسرد تفاصيل الأشياء على سجيتها فإنه ولا بد من التأكيد على أنه ومنذ وطئت أقدامنا أرضية مطار بكين الشاسع الواسع، وجدنا أنفسنا محاطين بشابين بشوشين اكتسحت الابتسامة وجهيهما البيضاويين الملولبين حتى اكتسحت العيون الضيقة المميزة وطالت الأحداق فاتسعت وتوسعت، فمنذ استكملنا الإجراءات الديوانية كنا على موعد مع “زهرة”.. “شريف” اللذين أخذ أسميهما العربيين نظير تخصصهما في الترجمة وصلة ذلك باللغة والآداب العربية، يعرٌفانك باسميهما ونفسيهما حين التعارف الأول ثم يسمعون منك عن نفسك بكل انتباه واحترام واضحين.
وللتوضيح فإن “الأسماء العربية” التي يتقمص التلقيب بها من قبل فئة أو أفراد بعينهن من الصينيين هي منهاج عقلاني ومعياري كذلك إن دلّ على شيء فإنه يدل على حرص صيني بالغ، ذلك سعيا إلى تعزيز جسور التقارب مع العالم العربي، ومواصلة إحياء العلاقات القديمة العريقة التي تعود إلى آلاف السنين، أي إلى زمن “ابن بطوطة” وطريق الحرير، ولعل ما تخبر به مآثر التاريخ التليد المشترك بين أهل الصين وأهل العرب عريق عميق تخطى الحدود والمسافات لينسج الشعب الصيني علاقاته الممتدة المتماسكة مع العرب والمسلمين في كل الاتجاهات، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا.
“أما زهرة” و”شريف” فشابة وشاب من أبناء الصين، شابان ألمعيان طموحان مازالا قيد مزاولة تعليمهما الجامعي حيث وضعا أمام مسؤولية رسمية جسيمة بتكليفهما بمرافقة وفد رسمي لمجموعة بلدان عربية وعهدت إليهما مهمة تأمين أعمال “الدليل والترجمة”، طيلة 20 يوم بلا انقطاع أو استراحة ودون أن يرافقهما “أستاذ” ولا مصحٌح“.
إن هذا لعمري ملمح من ملامح السياسة الصينية، والتي من شيفرتها المميزة، ظاهرها وباطنها، التعويل على الشباب وتحميلهم المسؤوليات وحفزهم على خوض غمار التحدي وتشجيعهم على اجتياز هذا الاختبار الصعب والمعقّد، ومساعدتهم عن إحراز النجاح وإنجاز الأعمال والمهمات على أكمل الوجوه.. فالصين كما أشرت في بادئ الأمر تعوٌل كثيرا على شبابها في كل المجالات ولا تشعرهم بأي نقيصة لا في التجربة ولا في الكفاءة ولا في الإنجاز، وأنه يتم إعداد هذا الشباب منذ فترات الدراسة ليأخذ المشغل ويلج مناخ الأعمال ويخوض غمار المهام دون عقبات، ولعل ذلك صار سهلا على هذا الشباب باعتبار خصوصيته التي اكتسبها بالفطرة والتعلم والتشجيع، وهي “الثقة في النفس”، نعم الثقة التامة في النفس.
هذه الثقة التي قفزت في كثير من الأحيان على ضوابط المنطق وهي المفتاح المهيب للنجاح الصيني وليست معجزة غير متوقعة، اذ يعتقد الصينيون أن “الثقة بالنفس ليست هدية من السماء وإنما تكتسب من إرادة البشر وعزيمتهم وتعلٌمهم وصبرهم، هؤلاء القوم بالكاد بل لا يؤمنون بالمستحيل”.
هم يحمٌلون الشباب، ومنذ عهدهم الأول، المسؤوليات الكبرى ويضعونهم في الواجهة، والشباب هناك بدوره لا يرفض ذلك بالعكس يسعى هذا الشباب، فتيان أو فتيات، من أجل الفوز برهان مهمة صعبة وحساسة، فهم “ينغمسون” في كل المجالات والوظائف ويبلون البلاء الحسن رغم أن معظمهم لم يستكملوا بعد سنوات الدراسة.
ما سجلناه هو أن الشابة والشاب قد خاض كلاهما تحديًا أكثر عمقا وصعوبة، يتحديان في ذلك الزمان والمكان وقبل كل شيء عقبات التواصل مع هذا الاختلاف الظاهر للأجانب، في مستويات متعددة، سواء في الدين، أو الحضارة، أو العادات، أو الثقافة وحتى هذا. تباعد ملموس في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
نعم بصبر أسطوري، ونفس طويل، أنجز “زهرة” و”شريف” المهمة الرسمية المرهقة، أنجزاها باقتدار وهدوء واحترام، ومرونة، أنجزاها بمستوى عال جودة في الأداء “زهرة” و”شريف” علامتان رمزيتان تتيح كلتاهما فك شفيرة منظومة جدٌ ذكيٌة ومتطوٌرة تقوم في جوهرها على العناصر الشبابية في مواقع المسؤولية والتسيير والاستشراف لذلك لا فجوة بين الأجيال لا في المؤهلات والاستطاعة ولا إشكال في مضمار الديمومة وتسلّم المشعل. بالمحصلة تعتبر الصين الشباب “المستقبل والامل”، وتسعى لتوجيه طاقاتهم نحو خدمة الأهداف القومية، بينما تحاول إدارة تطلعاتهم الفردية.
تركنا بكين وفي النفوس علقت ذكريات عبقة ومآثر عميقة، وارتسمت في الذهن ملامح أهل البلد الكرماء المضيافين يجللها الصفاء والطيبة، ويكلل نفوسهم الاحترام والمودة غير المشروطة لهذا الزائر الأجنبي الذي يحل بينهم، ظلت إيماءات التحية المتفردة لـ “زهرة” و”شريف” وتلك الدموع التي انفلتت من عقالها، كل ذلك ظل راسخا في المخيلة التي كانت تهفو إلى معزوفة الموسيقى المميّزة وهو لا تبارح الأسماع في غرف الفندق (يو لونغ) وفي مطعمه، عندما ارتفعت بنا الطائرة عن أرض مطار بكين كانت “شينجيانغ” الجميلة لا تزال ماثلة كأنها لوحة سريالية بديعة، وددنا لو أخذتنا الرحلة إلى بقاع أخرى لنستزيد الاطلاع على هذه الحضارة التليدة وإرثها، وددنا لو عايشنا أكثر مناهل الثراء لهذه الشعوب الصينية المتنوعة المتناغمة التي جمعها الولاء للوطن الأم فبدت كأوتار متكاملة متناغمة فعزفت لحن الخلود لهذه الأمة العظيمة.
(قيس العرقوبي)
