التربية والتعليم: تونس التي كانت مضرب الأمثال..كيف عود الدر إلى معدنه؟
رسالة حمالة أوجه في اجتماع رئيس الدولة بوزيري التربية والتعليم العالي بمعية وزير تكنولوجيات الاتصال، فالامتحانات الوطنية لاختتام السنة الدراسية والجامعية على مرمى ايام قليلة، ودون ذاك التعليم إكسير حياة الشعوب وروحها لا يمكن فقط استذكاره والاهتمام به فقط عند المواسم ولكن الحظوة بهذا الرافد المهيب في سلم الإنسان والعيش والتنمية والتقدم، هذه الحظوة واجب مقدس لا تنقص قداسته ولو ذرة، ذلك ان ربطنا هذه القداسة بمدلولاتها الفطرية، وقد كرم الله بني ادم على بقية المخلوقات بالعقل والفكر، وأول ما خاطب الوحي رسول الإسلام والعالمين، محمد صلى الله عليه وسلم دعاه للقراءة والعلم..”اقرأ “، والقراءة مرادف للعلم والتعلم والتعليم والتربية.
إذن فإيلاء الأهمية اللازمة لمجال التعليم بشموليته هو وضع للإصبع على موطن الداء في بلادنا اليوم التي يشهد فيها نظام التعليمي، في جوهره وتمفصلاته ومختلف تفريعاته، يشهد خواء وتشتت وفقدان الرؤية والنجاعة مع غياب الاستشراف وضياع البوصلة، أي ان حرص اعلى هرم الدولة على تصحيح الانحرافات وإصلاح ما اعوج مطلوب وينتظره الاولياء وأهل التربية والتعليم انفسهم، ينتظرون منذ زمن وضع النقاط على حروفها من خلال إلغاء المنظومة التربوية والتعليمية المسقطة التي زادت الطين بلة وعصفت بقطاع حيوي حساس وجعلت آلاف مؤلفة من الأجيال الجديدة من التلاميذ والطلبة في مهب الريح.
ولعل تونس كانت مضرب الأمثال في علاقة بالتعليم وادراك الاهمية التي يحوزها في بناء الدولة والارتقاء بحال الشعب، وقيل الكثير ونقل اكثر عن شخصيات كان لها الدور الكبير والأثر في التعويل على التعليم والمعرفة للنهوض بتونس وشعبها، ولعلي اخص بالذكر هنا الأديب الالمعي والوزير المصلح محمود المسعدي الذي كان بحق شخصية بارزة في تاريخ تونس، خاصة في مجال التعليم اذ لعب دورا محوريا في إصلاح نظام التعليم في تونس خلال فترة توليه وزارة التربية لذا ينظر إليه على أنه الأب الحقيقي للتعليم في تونس، حيث قام بتأسيس نظام تعليمي عصري ومجاني وإجباري، مما أتاح لأبناء الطبقات المتواضعة والمتوسطة فرصة تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.
فإسهامات هذا الرجل في التعليم تذكر فتشكر وقد خلدها التاريخ فهو من أشرف على إصلاح نظام التعليم من الابتدائي إلى العالي، بما في ذلك بناء المدارس والمعاهد والجامعات، وتغيير المناهج والبرامج الدراسية.وهو الذي ساهم في جعل التعليم مجانيًا وإلزاميًا، مما فتح الباب أمام جميع الأطفال للالتحاق بالمدارس، وهو من سعى إلى تطوير التعليم وتحديثه ليتناسب مع متطلبات العصر، من خلال التخلي عن التعليم الزيتوني التقليدي والتوجه نحو التعليم العصري. فالمسعدي لم يكتف بذلك وانما أشرف على تخريج أجيال من المتعلمين الذين ساهموا في قيادة البلاد وتنميتها. كما عمل على توسيع نطاق المدارس لتشمل جميع أنحاء البلاد، ومحاربة الأمية.
هذا التقديم الذي اوردناه عن التعليم واهميته “كالماء والهواء” يطرح مسائل لم يعد بالإمكان اغفالها ولا ارجاء الحديث عنها ولفت النظر والإنتباه اليها، ولعلي انطلق في هذا المضمار من طرح موضوع التعليم في تونس من زاوية ” جدوى السابق وهشاشة الحاضر..ما المطلوب؟!”، هذا الطرح الذي ينطلق من واقع مليء بالاستفهام والتناقضات والنواقص في ما يتعلق بتعليمنا في مختلف مستوياته واختصاصاته، اي نعم فالتعليم في تونس أمسى مثقلا بالتراكمات التي تجذب للخلف بدل تحقيق ماهو مطلوب من نجاعة وتقدم، وتجديد واضافة فالسواد الاعظم من التلاميذ والطلبة لا يجدون أنفسهم في هذه المنظومة لا من حيث فاعلية البرامج المتبعة ولا من ناحية مستوى التحصيل في صلة بالنتائج العلمية، هذه المنظومة هي في حقيقة الواقع سبب معاناة التلاميذ والطلبة واولياىهم أيضا خاصة وأن أغلب الشّعب الجديدة المستحدثة والمتفرعة لا آفاق لها في سوق الشغل.
هذا الامر والوضع والمستوى الذي عليه تعليمنا ومنظومته في شتى المستويات يتناقض بالكلية مع التعليم التونسي خلال 60 سنة مضت حيث كان سدس النمو الاقتصادي في تونس مدفوعًا بما تم إنجازه في حقل التعليم فخلال تلك الفترة كانت تونس تخصص الجزء الأكبر من ميزانيتها ، والذي بلغ الثلث في بعض الأحيان ، للتعليم وتنمية الشباب، حيث كان التعليم اجباري ومجاني للفتيات والفتيان.
فبعد ما كانت تونس تتصدّر الدول العربية في جودة التعليم، اصبح القطاع يعاني من أزمة حادة خلال السنوات الاخيرة في ظل تراجع المنظومة التربوية برمتها سواء على مستوى المناهج أو بسبب النقص في عدد المدرسين، وتراجع مستويات بعضهم،أضف إلى ذلك تدهور البنية التحتية ما جعل البلاد تحتل هذه المراكز وإن كانت في منظور “المتوسْط” لكنها تظل غير مطمئنة في التصنيفات الدولية لقطاع التعليم.
ولعلك اذا سألت التونسيين في الموضوع ستجد فئة واسعة منهم (أولياء، إطار تربوي وجامعي وكذلك من الرأي العام التونسي)، يجمعون على أن التعليم في تونس يتطلب إصلاحا جذريا بل يستوجب ثورة بيداغوجية و فكرية وعلمية تقطع مع البيداغوجيا الكلاسيكية و البرامج البالية والتوقيت الخانق وتتماشى مع واقع البلاد طبيعة المجتمع و تطلعاته و مع المستجدات العالمية…
من اهم التحديات التي يستوجب ان ترفعها الدولة اليوم هي اصلاح التعليم فلا يمكن النهوض والتقدم بانجاز تغييرات جذرية ان لم نقل ثورية في مضامين ومرامي المناهج التعليمية لا فالحاضر والمستقبل لا يبنى كلاهما الا بالمدرسة والتربية والتعليم.
التعليم..الماء والهواء والحاضر والمستقبل.
(قيس العرقوبي)
