بعد الغداء الجاهز المحمول إلينا من أحد المطاعم بالمنطقة قد جاء به بعض المكلفين بالأمر، والذي طعمناه في مساحة مفتوحة محفوفة ببضع شجيرات لا تبعد كثيرا عن حياض “بحيرة تايهو”، أقلنا “الباص” كالعادة إلى الوجهة التالية المبرمجة وهي منطقة هانغتشو حيث المركز الدولي للمعارض التيبلغناها بعد زهاء ساعة وربع، أو أكثر بقليل، من السير وفق السرعة القانونية المنصوص عليها، وأخبرنا مرافقنا الشاب “شريف” أن هذا المركز يبعد، في متوسط الحال، حوالي 80 كم عن أجزاء من جنوب بحيرة تايهو التي جئنا منها (منطقة هوتشو).
يشخص “مركز هانغتشو الدولي للمعارض” ماثلا أمام أنظار الوافدين من مكان بعيد فعندما يطالعك هذا البناء المشيد تطالعك أيقونة معمارية عملاقة مميزة تشد الانتباه فتشرئب لها أعناق الزائرين لأول مرة، ولا ريب أن الذين ارتادوه أكثر من مرة سيحصل معهم نفس الشيء وستمتد أعناقهم وترتفع أعينهم نحو الأعلى منجذبة إلى مهابة البناء وهيبة التشييد فلا ريب سيكون لذلك الأثر البالغ في نفوس عابري السبيل من أهل المنطقة وكذلك الوافدين عليها، إن كانوا من سكان محافظات الصين ومناطقها المترامية أو من ضيوفها وزوارها الأجانب سواء كانوا من السياح أو طلبة العلم والمعارف أو القادمين لحضور دورات تدريبية (وهو الحال بالنسبة إلينا).
عندما ولجنا المركز العملاق، بأتم معنى التوصيف، من مدخل واسع متسع حيث قيل لنا إن المركز يحتوي على مدخل ثان كلاهما في مثل سعة واتساع الآخر لتسهيل وصول وحركة الزوار والمشاركين، علاوة على مداخل أرضية عديدة مخصصة للعربات والسيارات، قلت عندما ولجنا رحّب بنا أحد المسؤولين الكبار هناك بوجه طلق بشوش وبالتحية الصينية التقليدية، كعادة المسؤولين الذي قابلناهم قبل ذلك هنا أو هناك، ومن ثمة قادنا عبر حركة مرنة براحة يده إلى مكان قريب من المدخل حيث تتصدر مجموعة لوحات بلاستيكية ثبّتت بشكل متلاصق على جدار ناصع الطلاء، فدعانا للاقتراب أكثر حتى صرنا قاب قوسين أو أدنى من الحروف المجوفة على اللوحات والمكتوبة باللغة الصينية مرفقة بترجمتها الإنجليزية.
كانت اللوحات تتوشح بمعطيات إرشادية وأرقام إحصائية، وقد كنا نفعل ذلك (أي الاقتراب والاطلاع) في كل مرة كانت تتوفر فيها مثل هذه اللوحات والتي لم يحدث أن غابت، ولو مرة واحدة عن تصدر الجدران أو الأركان بالمؤسسات والمواقع التي زرناها، وكان من البديهي أن تركض الأنظار على المعلومات المترجمة بالإنجليزية، كوننا لا نفهم اللغة الصينية وهو أمر لا بد من تلافيه والعمل على تداركه في المستقبل بالعمل عبر برامج واتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف بين الصين والدول العربية لدعم وتعزيز تعلّم اللغة الصينية، المهم شنّفت الآذان كما فعل الجمع المتحلّق قبالة اللافتات وجرت عيناي لمطالعة ما وشّحها لأعلم بما يفيد أن هذا المركز العملاق ذي السعة والاتساع إنما هو مجمع تجاري متعدد الأغراض إذ أخبرنا مرافقنا الشاب “شريف” الذي تركت له زميلته الشابة “زهرة” مهمة أن يضطلع بمهمة الترجمة والشرح والاجابة على الاستفسارات بمعية المسؤول المكلف من المركز، وعلمنا من “شريف” أن هذا المجمّع العملاق الضخم يقع في منطقة “شياوشان” (Xiaoshan) على الضفة الجنوبية لنهر تشيانتانغ في مدينة هانغتشو الصينية، وهو يقدم مرافق متكاملة تشمل المعارض، الاجتماعات، والفنادق منذ عام 2016 حيث يعد مقرا رئيسيا لفعاليات كبرى ويتميز بتصميمه العصري وموقعه الاستراتيجي في قلب منطقة الأعمال.
وعرفنا بالخصوص أن المركز المعروف بتسميته الإنجليزية ب (Hangzhou International Expo Center)، يحتضن في بنائه المشيد المقر الرئيسي لقمة مجموعة العشرين (G20) التي عُقدت عام 2016، علاوة على معرفتنا بأنه مجمع متكامل حيث لا يقتصر المكان على المعارض والمؤتمرات فحسب، بل يضم فندق “Beichen Grand Hotel” من فئة 4 نجوم، ومكاتب تجارية، ومرافق ترفيهية، مما يجعله وجهة متكاملة للأعمال والسياحة.
عندما بدأنا جولتنا بين أقسام المكان اكتسح أنفسنا المنبهرة يقين عميق بأننا أمام أعجوبة جديدة من الأعاجيب الممهورة بختم صيني متفرّد.
+ قاعة الاجتماعات الرئيسية لقمة العشرين (G20) المنعقدة بالمكان سنة 2016
بإشراف الرئيس شي جين بينغ تحت شعار “سحر جيانغنان، 20 دولة، عالم واحد“.+
كل من تسنى له أن يدلف إلى القاعة التي استضافت تحت سقفها أشغال قمة الدول العشرين (G20) للعام 2016، ومنذ أولى الخطوات إلا وقد شدّته روعة التصميم بأسلوبه الفريد ليعكس مزيجا مميزا تتناغم فيه الهوية الصينية التقليدية مع الحداثة العالمية، فأول ما تلج الفضاء يبهرك سقف القاعة وديكوراته العلوية والزخارف التي ملأته إذ يتوسط السقف نظام إضاءة تتلألأ بنقوش تعكس بجلاء عمق وعراقة الفنون الصينية، هذه الإضاءة التي تشد الناظرين ببريق غائر يحاكي لمعان النجوم البعيدة أما الجدران فقد أخذت هي الأخرى زخرفها وتزيّنت بلوحات فنية لعل أبرزها الجداريات الخشبية العملاقة التي نحتت بدقة متناهية لتتضمن مناظر طبيعية خلابة في الصين مما يمنح كل زائر شعورا بالانفتاح على الطبيعة الصينية.
وقد انتصبت في قلب الصالة طاولة مستديرة ضخمة تم تصميمها بشكل ذكي ومتقن، وقد أحيطت بها كراس خشبية مصنوعة وفق تصميم صيني كلاسيكي، لكنها مزودة بتقنيات حديثة للراحة والترجمة الفورية حيث زودت القاعة بأنظمة رفيعة الكفاءة التقنية للترجمة الفورية، مع إخفاء مكبرات الصوت عالية الأداء داخل الجدران للحفاظ على الجمالية البصرية.
وانتصبت لافتة عملاقة اكتسحت جدار كاملا من جدران القاعة مربعة المساحة دائرية السقف إذ وسم اللافتة سطران موجزان وردا تحت بعضهما البعض، وقد كتبا بالبنط العريض وباللون الأزرق، الأول الفوقي باللغة الصينية وترجمته باللغة الإنجليزية G20 HANGZHOU SUMMIT، ويلاحظ الناظر المتفحص أن كل شيء في القاعة مرتّب وفي مكانه إذ لا مجال للفوضى أو ما شابه، فكل شيء بحسبان.
ولم نزل بالمصافحة الأولى للقاعة وتفحصنا للمكان ومحتوياته حتى قطع المسؤول في المركز الذي استقبلنا عند البوابة ليقدّم لنا إحدى السيدات التي رحبت بنا وألقت علينا التحية مرفقة بالانثناء المميز تعبيرا عن الترحيب والاحترام قبل أن تنطلق في إمدادنا بسيل من المعلومات القيّمة عن “قاعة القمة العالمية العشرين هانغتشو لسنة 2016” وخصوصا عن مجريات تلك القمة ومخرجاتها موازاة مع بصمات ونتائج المشاركة الصينية في فعالياتها.
وقدمت لنا محدثتنا مطويات بينت تبرز مميزات ونتائج المشاركة الصينية في تلك القمة ما يمكن تلخيصها في جملة النقاط التي قمنا بتدوينها حينذاك، والتي من أجلّها:
- تعزيز شمولية الدول النامية: إذ شهدت القمة أكبر تمثيل للدول النامية في تاريخ المجموعة، حيث دعت الصين دولاً مثل مصر والسنغال وتشاد وكازاخستان للمشاركة، بهدف تقليص فجوة النمو العالمية.
- إدراج أجندة التنمية المستدامة: لأول مرة، تم وضع التنمية في صدارة السياسات الكلية العالمية عبر إطلاق “خطة عمل مجموعة العشرين لتنفيذ أجندة 2030 للتنمية المستدامة”، مع دعم خاص للتصنيع في أفريقيا.
- التعاون المناخي الدولي: قبيل انطلاق القمة، حيث أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الأمريكي باراك أوباما عن المصادقة المشتركة على اتفاقية باريس للمناخ، مما أعطى دفعة قوية للتعاون البيئي العالمي.
- تحرير التجارة والاستثمار: دعت الصين إلى بناء اقتصاد عالمي منفتح ورفض السياسات الحمائية الجمركية، مع تبسيط إجراءات الاستثمار الدولي لضمان استقرار النظام المالي العالمي.
- تفعيل “توافق هانغتشو”: أصدرت القمة أكثر من 28 وثيقة فنية وإعلاناً ختامياً ركز على روح الشراكة والتفاعل والتسامح الاقتصادي تحت شعار “نحو اقتصاد عالمي ابتكاري ونشط ومترابط وشامل.
غادرنا “قاعة القمة العالمية العشرين هانغتشو لسنة 2016” بعد التقاط صور تذكارية جماعية وفردية حيث قام المرافقون من مركز التدريب ببكين، كما درجوا على ذلك في كل زياراتنا وحلنا وترحالنا، بالتقاط صورة جماعية، للتوثيق، لكامل الفريق من الإعلاميين الذين تمت دعوتهم لحضور الدورة التكوينية، وموازاة مع ذلك أمطرنا أنفسنا بالتقاط صور فردية وثنائية وجماعية للذكرى.
خرجنا من القاعة يرافقنا المترجمان الشابان “زهرة” و”شريف” ومصور ومرافقته من مركز التدريب ببكين اللذين اعتادا مرافقتنا منذ بداية الدورة التكوينية وقد صحبتنا السيدة التي التحقت بنا في القاعة وأمدتنا بالمعلومات الضافية فيما انسحب المسؤول الذي استقبلنا في بادئ الأمر، وغادرنا بهدوء لنمضي صوب السلالم التي ستقودنا إلى سطح المركز حيث “الحديقة العلوية”، أو ما يصطلح على تسميته بـ “الحديقة المعلقة”.
+الحديقة العلوية: جولة وجلسة استراحة+
وضعنا الأقدام على سطح المركز حيث “الحديقة العلوية” أو “الحديقة المعلقة” كما يحلو لمعظم الصينيين أو الزائرين تسميتها كأنها علّقت في الفضاء بين الأرض والسماء، هذه الحديقة التي تقع في نطاق البناء العملاق للمركز الدولي للمعارض بهانغتشو، وتبرز التفرد في أسلوب المعمار الصيني الحديث الذي اتسم بالانفلات من كل المسلمات والقيود، نعم رونق خاص لحديقة على طراز نادر حيث تجد مساحة خضراء تتنوع فيها النباتات والأشجار والأزهار كأنك في حديقة غنّاء أزهرت، بزهو، على أديم الأرض.
بيّنت لنا السيدة التي استكملت معنا مهمة المرافقة والشرح والتفسير وإمدادنا بالمعلومات التي نطلبها والرد على الاستفسارات والتساؤلات التي يطرحها هذا أو ذاك من مجموعتنا، بيّنت أن “الحديقة المعلقة” المتمركزة على سطح المركز تبلغ مساحتها قرابة 65,000 متر مربع، مما يجعلها واحدة من أكبر الحدائق المعلقة في آسيا، وهي مصممة على طراز حدائق “سوجو التقليدية” المعروفة جنوب الصين، مؤكدة أن الوظيفة البيئية للحديقة هو أنها كعازل حراري للمبنى، مما يساهم في تقليل استهلاك الطاقة داخل مركز المعارض، بالإضافة إلى دورها في تحسين جودة الهواء وتقليل ظاهرة “الجزر الحرارية” في المدينة.
وقالت محدثتنا: “ الحديقة تعمل وفق تكنولوجيا ري متطورة إذ تم تجهيز ها بنظام ري ذكي يضمن استدامة المساحات الخضراء بكفاءة عالية واستهلاك مائي مدروس، وهو ما يعد جزءاً من التزام المركز بالمعايير البيئية“، مضيفة: “توفر الحديقة إطلالات بانورامية مميزة على نهر تشيانتانغ وناطحات السحاب المحيطة في المنطقة مما يدمج بين الطبيعة والعمارة الحديثة، وانتهت إلى القول: “ الحديقة توفر لجميع زائري مختلف أقسام المركز الدولي للمعارض بهانغتشو مساحة هادئة للراحة وسط الأنشطة التجارية كما توفر مساحة هادئة للقادة للاستراحة بين الجلسات المنعقدة في قاعة المؤتمرات”.
في “الحديقة المعلقة” تسنى لنا الجولان والاستمتاع بهواء المغروسات المختلفة والتمتع بالمناظر الطبيعية والمعمارية الخلابة كما تسنى لنا الانتفاع بجلسة استراحة حيث شرب بعضنا كؤوس العصائر الطبيعية، لذيذة المذاق عالية الجودة، وخيّر بعضنا الآخر الإقبال على ترشف فناجين القهوة بنكهة مميزة وأقبلنا جميعا على أكواب من الماء الساخن التي تتميز بها الصين، وهو أمر أيضا اكتشفه معظمنا لأننا كنا حقا نجهل أن أصدقاءنا الصينيين يخيّرون الماء الدافئ على البارد فيما نحن نخيّر الماء البارد إن صيفا وحتى في الشتاء، ولكل شعب خصوصيته التي نحترمها جدّ الاحترام، وعرفنا في الأثناء الفوائد الصحية الجمة لشرب الماء الساخن أو الدافئ.
تجولنا وجلسنا على تخوم الحديقة ليتجلى لنا المكان الخارجي في صورة سريالية بديعة تحاكي مشاهد سينما الخيال العلمي، شكل هندسي بارع وتناسق متقن وجمالية عالية الرقي، لنجد أنفسنا في وضع المنبهر بهذه الأعجوبة الجديدة وبموازاة ذلك اكتشفنا هذا النمط الصيني الذي لا يبني شيئا على العبث، وإنما يعمل لكل شيء حساب بل ألف حساب وانكشف أمامنا نمط خصوصي متكامل تجتمع فيه كل المقومات فلا تنفصل الريادة والقيادة والاقتصاد والتجارة والأعمال والتكنولوجيا والإنسان والطبيعة.
وليس “المركز الدولي للمعارض بهانغتشو”، بما فيه من قاعة الاجتماعات الدولية و”الحديقة المعلقة” هو فقط الاكتشاف الفريد الذي عثرنا عليه كما يعثر العابر على بيضة من الذهب، وإنما عثرنا أيضا، أو بالأحرى عثرت شخصيا على اكتشاف إنساني لا يقل قيمة عن أعجوبة المعمار والبناءات والتكنولوجيا، اكتشاف يتمثّل في السيدة التي جاءت لأداء مهمة الإمداد بالمعلومات والشرح والتفسير، هذا الإكتشاف هو “أمينة الويغورية”، هاته التي كانت من الناطقين باللغة الفرنسية والتي وجدت أنها دليل قاطع وبرهان ساطع على ثراء المجتمع الصيني وانفتاحه.
(قيس العرقوبي)
