إذا كان من القيمية والمبدئية تسمية الأشياء بمسمياتها وتشخيص الواقع وقول الحقيقة دون قفازات او مواراة ومجاملة، فإننا بلغنا قبل 25 جويلية 2021 مرحلة حرجة وحساسة كادت تودي بالبلاد وشعبها إلى ما لا يحمد عقباه، وقد اعترف بذلك كثيرون حتى لا تقول معظم من كانوا ماسكين بزمام السلطة والنفوذ في الدولة، فهم انفسهم (قيادات سياسية وحزبية مختلفة الألوان والاتجاهات، من اليمين واليسار وما بينهما)، إذ أدرك هؤلاء أنهم ضلوا الطريق، وبدل تجسيم مطالب التونسيين التي رفعوا لواءها إبان ثورة الحرية والكرامة وانغمسوا في أمور ومسايل زادت الطين بلة وزجت بالدولة إلى بئر سحيق، ولم يكن بين تونس وبين الرضوخ للوصاية الأجنبية وعودة التحكم في شؤونها غير إلا فاصل وجيز، وقد ركض الراكضون حينها إلى “نادي باريس” فاتحين أبوابه على مصراعيها حتى تلجه تونس ليتم تكبيلها وتقييد شعبها إلى ابد الآبدين.
في الوهلة الأولى تباينت المواقف من “تدابير جويلية” لكن بعد ذلك اجمع البياض الأعظم من المساندين والمعارضين، اجمعوا سوية ان قطار تونس خرج عن سكتها وأنه كان لا بد من “رجة” يستفيق من دويها الجميع ولتعود تونس إلى مسارها الصحيح الذي منطلقه ومداره ومراميه تحقيق مطالب الشعب التونسي وتجسيم ارادته، وقد شهدنا قيادات من الصف الأول لاحزاب كانت ضمن حزام الحكم، شاهدنا هذه القيادات كيف أعلنت صراحة دعمها لتلكم التدابير من جانب كونها نفسا جديدا يمكن من خلاله التخلص من ربقة مرحلة طغت عليها الاختلافات والتباعد وخدمة المصالح الضيقة بالنسبة لبعض قيادات حزبية طفقت إلى فرض اشتراطات سياسيوية وصلت إلى حد فرض الأمر الواقع بخصوص تقسيم وزارات وشرذمة أخرى ذلك لأهداف لا تعدو أن تكون غاياتها شخصية وضيقة.
العقلاء من قادة مرحلة “ما بعد الثورة إلى حين تدابير جويلية” ذهبوا إلى التأكيد قناعة بصور الواقع المتدحرج وقتها، إلى أنه “ان لم يكن قيس سعيد لكان يجب يكون آخر يقطع الطريق إلى الهاوية الذي كانت تونس تقاد في مضماره بسرعة جنونية كان بالإمكان، ان تسقط فيه الدولة فتطمر ولا تقوم بعدها لها ولشعبها قائمة فلقد كان المشهد سرياليا خطيرا ومفزعا في نفس الوقت، ولعل بل كان من المؤكد عديد الأطراف كانت تريد لتونس هذا السقوط لأنها تعتاش على ذلك إذ لم يكن بد من الرجة تتبعها استفاقة تخلص التونسيين من الكابوس الذي مج مخيلاتهم وقض مضاجعهم.
بعد “تدابير 25 جويلية” شرعت تونس في وضع النقاط على حروفها فقد كان لا بد من تقويم الخيارات الخاطئة وقطع الحبل السريريّ مع كل السياسات التي وضعت تونس بين فكي كماشة فكان الرهان المطلق على العودة إلى الداخل وتبني سياسة حمائية وواقعية مرتكزها التعويل على الذات والرهان المطلق على القدرات المحلية في جميع مستوياتها، من ذلك إغلاق باب الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وتحويل البوصلة إلى وجهات أخرى اقل من حيث الفوائض، وبعيدا عن اية ضغوط واشتراطات تمس باستقلال القرار الوطني أو يمكن ان تطال سيادة او الشعب.
وقد نحت تونس هذا المنحى ادراكا عميقا منها بأن “السيادة” و”الاستقلالية” إنما تمثلان هما من قبيل المسائل المحورية والجوهرية التي تمثل بدورها مدارا مركزيا، وكذلك وثيقة تأسيسية ومرجعية لصرح الدولة ودليل سيرها ومسارها، ولعل، وقد نحت تونس هذا المنحى أيضا ادراكا وقناعة بأن صمام الأمان وديمومة الاستقرار ضمانته حفظ السيادة والمحافظة على الاستقلالية، ولعل تونس التي نجحت إلى حد كبير في تخطي الكبوات الماثلة والعواصف التي ألمّت بها في عديد المراحل قد نجحت أيضا في إسقاط كل محاولات الزج بها عنوة في “نادي الطاعة” الذي لا يرأف ولا يرحم ولا يقيم قدرا ولا وزنا لمن دخله طوعا او كرها. هذا النجاح الذي أحرزته تونس وهي بصدد الحفاظ على ديمومته، نجاح لم يأت صدفة وإنما بعد ان تونس تعلمت من دروس الماضي ومن الأخطاء السابقة،
جدير بالذكر، ان معظم الفئات الشعبية التفت حول المشروع الرئاسي الجديد “الدولة الاجتماعية” لأنهم يرون فيه أنفسهم ويترقبون الكثير من تنفيذه على أرض الواقع لاسيما ما يخص معيشتهم وحفظ كرامتهم بما أعلن عنه الرئيس من اطلاق لثورة اجتماعية يقتسم منافعها الشعب لا الاطراف المتنفذة سياسيا او اقتصاديا او ماليا ، وقد كان التفاف نسبة كبرى للتونسيين حول مشروع الرئيس الشامل عندما أعلن ايضا عن ثورة ادارية يتم من خلالها تطهير الادارة من المفسدين والعمل على تيسير الخدمات وتطويرها بما ينفع الناس ، ثم التف الملتفون حول المشروع الرئاسي بعد ان تم الاعلان بالتزامن عن إطلاق ثورة تشريعية غايتها وضع تشاريع ونصوص جديدة تحل محل المنظومة التشريعية القديمة التي لم تعد ولم تكن لتجسّم خيارات الشعب التونسي وتوافق واقعه وتترجم مطالبه وتطلعاته.
فالشعب ينتظر ثمرات مشروع الدولة في مسارها الجديد وعلى مستوياته الثلاثة المنصوص عليها: الوضع الاجتماعي، التشريعات والإدارة، لان ذلك متبوع بتحقق مطالبه وتطلعاته.
(قيس العرقوبي)
