منذ توليه قيادة المنتخب التونسي لكرة القدم، بدا واضحًا أن المدرب صبري اللموشي لا يريد فقط بناء فريق قادر على المنافسة، بل يسعى أيضًا إلى فرض طريقة جديدة في إدارة العلاقة مع وسائل الإعلام والرأي العام الرياضي في تونس.
فاللموشي يدرك جيدًا أن النجاح في كرة القدم الحديثة لا يتحقق داخل المستطيل الأخضر فقط، بل يرتبط أيضًا بالقدرة على التحكم في المناخ المحيط بالمنتخب، خاصة في بلد يعيش فيه الشارع الرياضي على وقع التحاليل اليومية والانتقادات المتواصلة، حيث تتحول بعض المنابر أحيانًا إلى مصدر ضغط إضافي على اللاعبين والإطار الفني.
ويبدو أن المدرب الوطني استخلص الدرس من تجارب سابقة عاشها المنتخب، وعلى رأسها تجربة المدرب السابق جلال القادري، وكذلك ما رافق فترة سامي الطرابلسي من انتقادات إعلامية متكررة ساهمت في خلق أجواء متوترة داخل المنتخب. فقد كانت الضغوط اليومية، وكثرة الجدل، وتضخيم بعض التفاصيل، عوامل أثّرت بشكل مباشر على الاستقرار الفني والنفسي للمجموعة.
أما صبري اللموشي، فيبدو أنه اختار منذ البداية نهجًا مختلفًا قائمًا على الانضباط والصرامة والابتعاد عن “الشعبوية الإعلامية”، فهو لا يمنح تصريحات كثيرة، ولا يدخل في سجالات جانبية، كما يرفض ترك المجال مفتوحًا أمام التأويلات أو النقاشات التي قد تشتت تركيز المنتخب.
هذه الشخصية الهادئة والحازمة في الآن نفسه جعلت الكثيرين يلاحظون أن اللموشي لا يتعامل بعاطفة مع محيطه، بل بعقلية مدرب محترف يعرف جيدًا ما يريد ، فلا مكان لديه لمنطق المجاملة أو البحث عن الشعبية السريعة، بل إن رسالته تبدو واضحة: النتائج والعمل هما الرد الحقيقي، وليس الدخول في دوامة الرد على كل نقد أو تعليق.
كما أن اختياراته الفنية الأخيرة أكدت أنه يفضّل فرض شخصيته على المجموعة وعدم التأثر كثيرًا بالضغوط الخارجية، حتى عندما تتعالى الأصوات المطالبة بأسماء معينة أو بقرارات مختلفة وهو ما يعكس رغبته في حماية المنتخب من حالة “التضخيم الإعلامي” التي كثيرًا ما أربكت الأجواء داخل الكرة التونسية.
وفي المقابل، يدرك اللموشي أن الإعلام يبقى شريكًا مهمًا في نجاح أي مشروع رياضي، لكنه يحاول رسم حدود واضحة لهذه العلاقة، حتى لا تتحول المنابر الرياضية إلى مصدر توتر دائم داخل المنتخب. فالرجل يبدو مقتنعًا بأن كثرة الحديث لا تصنع الانتصارات، وأن الهدوء والانضباط هما الطريق الأقصر لبناء مجموعة قادرة على الذهاب بعيدًا.
اليوم، ومع اقتراب الاستحقاقات الكبرى، يبدو أن صبري اللموشي لا يخوض فقط معركة تكتيكية فوق الميدان، بل أيضًا معركة فرض الهيبة والانضباط خارج الميدان، في محاولة لتأسيس مرحلة يكون فيها المنتخب محميًا من الضجيج ومركزًا فقط على كرة القدم.
نادرة الفرشيشي
صبري اللموشي مدرب لا يترك للإعلام فرصة “نفخ” الأزمات:
82