إذا كانت هناك مسألة أمن قومي حساسة وحيوية تستوجب إحاطتها بأقصى مستوى من الاهتمام والأولوية فهي حماية الصابة الوطنية للحبوب وكذا المخزون المائي للسدود التونسية في كل أرجاء البلاد، ولعل ما سجلته تونس سنة 2026 الجارية من صابة حبوب قياسية، والتي بلغت إلى غاية جويلية الحالي حوالي 8,4 مليون قنطار وهو مستوى غير مسبوق، ولا يختلف الأمر بالنسبة لامتلاء السدود إذ يمكن في هذا المضمار العودة إلى تصريح مدير عام السدود (فائز مسلم) لوكالة تونس افريقيا للأنباء (وات) الذي كشف أن “منسوب امتلاء السدود التونسية بلغ نسبة 60 بالمائة، ذلك إلى حدود منتصف شهر جوان 2026″، وهي نسبة مطمئنة كما وصفها أهل الخبرة والاختصاص، خصوصا وأنها كافية لتغطية الاحتياجات الوطنية خاصة خلال فصل الصيف على عكس السنوات السابقة التي سجلت شحا في التساقطات وتراجع للمخزون في مياه السدود ما انجر عنه اللجوء إلى قطع المياه في مناسبات كثيرة.
لكن هذه الحصيلة الإيجابية هي من قبيل السلاح ذي الحدين خصوصا والأمر الذي يفرض نفسه ما يسجل من حوادث متواترة لحرق محاصيل القمح إلى جانب ضياع ماء السدود بهذا الشكل أو ذاك، وعندما نتحدث عن حرق حقول القمح، وتدمير الغابات، وضياع مياه السدود، فنحن لا نتحدث فقط عن خسائر مالية للفلاحين، بل نتحدث عن عدوان مباشر على خط الدفاع الأولى لتونس، وذلك للأسباب الخطيرة التالية إذ الفلاحة في تونس ليست مجرد قطاع اقتصادي بحت، بل هي مظهر ومرادف سيادة وطنية، ذلك أن ضرب صابة الحبوب في ذروة موسم الحصاد يعني إجبار الدولة على التوريد بالعملة الصعبة، والارتهان كالعادة للخارج، وتحويل لقمة عيش التونسيين إلى ورقة ضغط وتلاعب.
ما يجب وضعه في الحسبان أن “حروب الجيل الرابع” من أدواتها الأساسية تخريب البنية التحتية بما فيها استهداف “الاكتفاء الغذائي” والمنشآت المائية الحيوية، لأنها صيغة من صيغ الدفع نحو التجويع والتبعية وتدمير لعصب الحياة. فدون ماء، تتوقف منظومات إنتاج الحليب، اللحوم، والخضروات، مما يؤدي إلى انهيار السوق الداخلي وارتفاع جنوني في الأسعار، وهو ما هو معاش، واقعيا وبالملموس، لذا فإن حماية مثل هذه الثروات الأساسية من أكبر الواجبات وأكثرها أهمية على الإطلاق، والفلاح التونسي اليوم هو جندي في جبهة الغذاء، وواجب الجميع من مسؤولين وقطاعيين وحتى مواطنين عاديين أن يكونوا هم أيضا من حماة هذه الأرض ومدخراتها.
(قيس العرقوبي)
