تبحث تونس عن نسج شراكات متنوعة وأسواق جديدة وفرص للتعاون إذ يبدو الإدراك واضحا من الدولة التونسية بضرورة ونجاعة الانفتاح على أسواق أخرى خارج دائرة العلاقات التقليدية التي تنسجها البلاد خصوصا مع “الشريك الأوروبي”، بدرجة أولى وكذلك مع الولايات المتحدة الأمريكية، هذا الإدراك التونسي الذي يقول خبراء ومختصون إنه من شأنه أن يخلق ديناميكية نوعية في التجارة الخارجية للدولة التونسية.
- دوافع هذا التوجه الجديد للدولة التونسية مرتبط بما وضعته من شرط حفظ السيادة والنديّة الكاملة.
- التعاون التونسي الروسي: تونس في مقدمة الدول التي تتعاون معها روسيا في إفريقيا، إذ بلغ مستوى التبادل التجاري الثنائي خلال 6 أشهر من العام 2023 حدود 1.2 مليار دولار.
- تواجد الصين في الاقتصاد التونسي: نموّ صادرات تونس إلى الصين تشهد نموا سنويا يصل إلى 5 بالمائة في المتوسط، بما يعكس حجم الفرص الكبيرة المتاحة في هذه السّوق الضخمة.
- الشراكة البرازيلية التونسية: بلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدين بداية من العام 2023 مستوى 490 مليون دولار أمريكي، بزيادة في المبادلات قدرت 9.1 بالمائة سنة 2023 مقارنة بالسنة سابقتها.
- دوافع هذا التوجه الجديد للدولة التونسية مرتبط بما وضعته من شرط حفظ السيادة والنديّة الكاملة.
صار بديهيا في كل مناسبة أو اجتماع رسمي لاسيما، مجلس الوزراء، أن يجدد الرئيس التونسي قيس سعيّد ويعيد التأكيد أمام المسؤولين الحكوميين على ضرورة المضي في طريق “تنويع الشراكات الاقتصادية والتجارية والبحث عن أسواق جديدة”، في أفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية وفي عدد من دول أمريكا الجنوبية.
وهنا يتساءل خبراء ومحللون اقتصاديون عن طبيعة الأسواق البديلة التي يمكن أن تراهن عليها تونس، وما إذا كانت أسواق الشرق مثل روسيا، الصين وبلدان آسيوية أخرى، قادرة على أن تشكّل بديلا استراتيجيا عن الشركاء الأوروبيين التقليديين، في وقت تشهد فيه العلاقات التونسية الأوروبية تغيّرات يفرضها المسار الجديد الذي تنتهجه تونس في المرحلة الراهنة، والذي يتزامن مع ظرف دولي يشهد بدوره تحولات جذرية عميقة ومتسارعة فرضت واقعا جديدا ونمط مغاير العلاقات الثنائية ومتعددة الاطراف حيث تتباين الرؤى حول مستقبل التعاون المالي والاقتصادي.
وفي مناسبات سابقة، أكد الرئيس التونسي أن “تونس لن تبقى رهينة ضغوط أو إملاءات أي جهة أجنبية كانت”، مضيفًا أن “المرحلة القادمة تتطلب انفتاحا أوسع على أسواق جديدة وشركاء يحترمون إرادة الشعب التونسي وخياراته السيادية“.
تؤكد على الرفض القاطع التدخل في شؤون البلاد الداخلية، وأن تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة والسيادة فيها للشعب التونسي وحده، كما أن ثوابت الدبلوماسية التونسية التعامل بندية مع الجميع وسيادة الدول مبدأ ثابت، فضلا عن أنها لا تقاس لا بمساحاتها ولا بعدد سكانها، لذلك لازالت تدعو تونس اليوم إلى إصلاح النظام الدولي، بما يوجهه نحو مسار أكثر عدالة وإنصافا، قادر على تلبية احتياجات المجتمع الإنساني في عالم يتميز بتغيرات عميقة وسريعة، فالعلاقات الدولية أصبحت في عالمنا اليوم لا تحكمها العواطف أو الإعجاب المتبادل بين القادة بل تحكمها مصالح الشعوب، بحيث توجهت من جديد تونس اليوم وتفطنت بعد سنوات عديدة سابقة من التراجع في مختلف مناحي التنمية لضرورة الشراكة مع النمور الآسيوية، لما توفره من فرص وعدم التنازل عن سيادتها التي تسمح لها بتنويع الشركاء، دون البقاء تحت وصاية طرف بعينه باسم الشراكة الاستراتيجية، لذا نجد اليوم علاقات غير مسبوقة بين تونس وروسيا والصين ودول اخرى على غرار البرازيل، هذا الأقطار التي يجمعها قاسم مشترك وهي انها قوى اقليمية ذات وزن وامتداد واشعاع وتأثير.
(2) التعاون التونسي الروسي: تونس في مقدمة الدول التي تتعاون معها روسيا في إفريقيا، إذ بلغ مستوى التبادل التجاري الثنائي خلال 6 أشهر من العام 2023 حدود 1.2 مليار دولار*
أكثر المعطيات أهمية في روابط التعاون التونسي الروسي تلك التي قدّمها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، والذي أكد خلال زيارة وزير الخارجية السابق نبيل عمار إلى موسكو (26 سبتمبر 2023) أن “تونس في مقدمة الدول التي تتعاون معها روسيا في إفريقيا، حيث بلغ مستوى التبادل التجاري مع تونس خلال 6 أشهر من ال عام2023 سقف 1.2 مليار دولار”. وهو ما يكشف ضمنيا أهمية المصالح التي تسعى روسيا إلى رعايتها في القارة الإفريقية ومع عدة دول إفريقية تسعى إلى تعزيز تعاونها الإقتصادي معها ومنها تونس التي من مصلحتها أن تستفيد من هذا الطموح التوسعي لروسيا في المنطقة الإفريقية من خلال ربط علاقات تجارية معها وتطوير السوق السياحية، علاوة على البحث عن نوايا إستثمار جديدة لتحسين الإستثمار الخارجي للإقتصاد الوطني بما يمكّن من الاستفادة من كل الفرص المتاحة أمامه في اتجاه تطوير عديد القطاعات الواعدة والدفع نحو الانتعاشة الاقتصادية.
يشار إلى أن بعض المصادر الرسمية من كلا الجانبين تبرهن في كل مرة على الرغبة المشتركة لكلا البلدين لمزيد تعزيزها خصوصا منها تكثيف الجهود لتوسيع نطاق التعاون الثنائي في قطاعات جديدة مثل الزراعة والصناعات الهندسية والطاقة والصحة، وازدياد حجم المبادلات التجارية بين البلدين ثلاث مرات خلال السنوات الثلاث الماضية ليصل إلى حوالي ملياري دولار، والتطور الكبير لسوق السياحة الروسية نحو الوجهة التونسية..
- تواجد الصين في الاقتصاد التونسي: نموّ صادرات تونس إلى الصين تشهد نموا سنويا يصل إلى 5 بالمائة في المتوسط، بما يعكس حجم الفرص الكبيرة المتاحة في هذه السّوق الضخمة.
كشف مركز النهوض بالصادرات بتاريخ 21 فيفري 2025 أن صادرات تونس إلى الصين تشهد نموا سنويا يصل إلى 5 بالمائة في المتوسط، مما يعكس الفرص الكبيرة المتاحة في هذه السّوق الضخمة.
ويقدّر حجم التبادل التجاري بين تونس والصين، بنحو 1،8 مليار دولار أمريكي في 2024. وقد بلغت عائدات صادرات تونس إلى الصين حوالي 217 مليون دينار، حيث تشمل أبرز المنتجات مثل زيت الزيتون التي وصلت عائدات صادراته نحو السّوق الصينيّة إلى 68 مليون دينار، بالإضافة إلى منتجات البحر التي ناهزت 43 مليون دينار، والتمور التي بلغت صادراتها 2،6 مليون دينار، وفق بلاغ صادر عن المركز.
كما تكشف الأرقام الأخيرة المتعلقة بالمبادلات التجارية بين تونس والصين إلى وجود إمكانيات كبيرة غير مستغلة بعد. إذ يمكن لتونس أن تزيد من صادراتها إلى السوق الصينية بقيمة تصل إلى 200 مليون دولار أمريكي، أي حوالي 600 مليون دينار تونسي، ما يعادل أربع مرات تقريبًا من قيمة صادراتها الحالية إلى الصين، وفقًا للتوقعات التي وضعها مركز النهوض بالصادرات.
ومع ذلك، يبقى حجم الاستثمار الصيني في تونس منخفضًا نسبيًا، حيث يقدر بنحو 50 مليون دينار تونسي، وهو رقم ضئيل مقارنة بحجم المبادلات التجارية بين البلدين. أما حجم التجارة الثنائية بين تونس والصين، من جانفي إلى أفريل 2023، فقد بلغ 763 مليون دولار أمريكي، بزيادة سنوية قدرها 12.5 بالمائة.
وجدير بالذكر أن الصين تعد شريكًا استراتيجيًا هامًا لتونس إذ تعتبر الصين سوقًا هامة لاسيما في ظل سعي تونس لتنويع شركائها التجاريين والاقتصاديين بعيدًا عن شركائها التقليديين في أوروبا. فتحقيق توازن تجاري مع الصين يمكن أن يسهم في تعزيز الاقتصاد التونسي من خلال زيادة الصادرات وفتح أسواق جديدة للمنتجات التونسية، خاصة في مجالات الزراعة والصناعات الغذائية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن التعاون مع الصين يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة للاستثمار في البنية التحتية والصناعة في تونس. الصين لديها خبرة واسعة في تنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبيرة، وتمتلك القدرة على تقديم التمويل والتكنولوجيا التي يمكن أن تستفيد منها تونس في تطوير مشاريع كبرى مثل الطرق، والموانئ، والطاقة.
- الشراكة البرازيلية التونسية: بلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدين بداية من العام 2023 مستوى 490 مليون دولار أمريكي، بزيادة في المبادلات قدرت 9.1 بالمائة سنة 2023 مقارنة بالسنة سابقتها.
الى جانب البحث عن مستوى عال ومكثف مع كل من الصين وروسيا، تسعى تونس كذلك للظفر بموطىء قدم في الاسواق الكبرى الجديدة، انطلاقا من العمل على ايجاد سبل جديدة للتعاون المربح وذلك بتنويع شراكاتها الاقتصادية والمالية مع الحفاظ على مستوى ونسق علاقاتها التاريخية حيث نحت البلاد إلى اتخاذ تدابير تشرّع الأبواب للانضمام إلى مجموعات اقتصادية كبرى وممتدة المجال إقليميا ودوليا، من بينها {الدبلوماسية الاقتصادية}
وبحسب وزارة الشؤون الخارجية التونسية، فقد بلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدين خلال العام 2023 مستوى 490 مليون دولار أمريكي، بزيادة في المبادلات قدرت 9.1 بالمائة سنة 2023 مقارنة بالسنة سابقتها
وتعد السوق البرازيلية الوجهة الأولى لصادرات تونس نحو دول مجموعة MERCOSUR، إلى أكثر من 80 سوق بحجم تبادل فاق 1.5 مليار دينار تونسي بداية من سنة 2024
وقد ارتفعت صادرات تونس نحو البرازيل لتبلغ 137 مليون دينار تونسي سنة 2024، أي حوالي 71 مليون دولار، ويأتي ذلك في ظل ديناميكية جديدة أفرزتها الإجراءات التحفيزية التي أقرتها الحكومة البرازيلية، وأبرزها إعفاء 11 منتجًا غذائيًا من الرسوم الجمركية، من ضمنها زيت الزيتون البكر الممتاز. وهو ما شكّل فرصة ثمينة للمنتجات التونسية، خاصة زيت الزيتون، الذي بات يشهد إقبالًا متزايدًا في هذه السوق الهامة والواعدة، مما جعل تونس خامس أكبر مزوّد لها بهذا المنتَج، مع تسجيل نمو بنسبة 119 بالمائة خلال
وهنا يذهب متابعون إلى إبراز أن الديناميكيّة الإيجابية الجديدة لعلاقات الشراكة الثنائية عكسها نجاح المنتدى الاقتصادي التونسي البرازيلي الذي انعقد يوم 11 جويلية 2024 بساو باولو، حيث مثل فرصة سانحة للفاعلين الاقتصاديين بالبلدين للتواصل والتنييق فيما بينهم بغية بعث شراكات جديدة ترتقي لما يتوّفر بالبلدين من إمكانيات وطاقات وجب إحكام استغلالها…
بالمحصّلة، فإنه رغم أن تونس حافظت على نسق ومستوى التعاون مع شركائها التقليديين، وهم بديهيا الاوربيون، وذلك عند توجيهها لبوصلتها الى قوى الشرق لارساء علاقات منفعة وشراكة ندية مع هذه القوى فإنه لا بد من مواجهة ارتدادات هذه الخطوات الجديدة غير المعهودة في عالم طالما، وما زال تحكمه، الهيمنة وبسط السيطرة والاشتراطات، عالم منطق الهيمنة وعقلية “القوي والضعيف“.
(قيس العرقوبي)
