حسنا فعلت وزارة الدفاع الوطني بنشرها ردا تجلي فيه الأمور وتقطع فيه الطريق أمام الخبط العشواء الذي يرتع فيه ساحته من يريد سفها وعجزا وفتنة، يريد إيقاد الفتنة والنفخ في رمادها، ولعل هذا الرد الحاسم والبديهي من المؤسسة العسكرية التونسية يأتي لتجديد التأكيد على أن الجيش التونسي جمهوري لا دخل له بمسائل السياسة، وهو رسالة واضحة بأن تونس ليست مزرعة سائبة وأن عمل الجيش يحدده الدستور وتشريعات الدولة لا يمكن بأي حال تخطيه.
وكأن ببلاغ وزارة الدفاع الوطني يصدح بالقول: “الجيش مكانه الثكنات ومهمته وطنية وحيوية وحساسة لا تقبل أبدا تجاوزها للخوض في ما لا يعنيه ولا يفيد الدولة والشعب التونسي، وأن من يريد السلطة في تونس عليه بالشعب فهو من يمنح الحق والثقة عبر صوته لمن يستحق ان يكون في مواقع القيادة من أعلى هرم هذه السلطة (رئيس الجمهورية) وكل اصحاب المواقع القيادية في مؤسسات البلاد”، هذا الرد جاء ليلجم أفواه المشككين ويسقط مكر كل مترصد متربص بتونس وشعبها. إذ لا مجال ان يقبل الشعب ولو حتى بالتخمين والفذلكة أن تسحب منه مكاسبه التي بذل من أجلها الأرواح والغالي والنفيس لتركيز تونس، دولة جمهورية، السلطة فيها مدنية والسيادة للشعب، وليس دون ذلك.
ولعلي أجد المناسبة سانحة لإجلاء غيض من فيض خصال جيشنا العظيم فمن أبسط الواجبات علينا أن نعترف بجميل هذا الجيش الهمام الذي أبلى البلاء الحسن في حياديته ووطنيته وتمسكه بحفظ دماء شعبه والحفاظ على ممتلكات الوطن وحماية حدوده والذود عن سيادته من أي عدوان، مهام ملحمية أنجزها الجيش الأخضر، او بالأحرى جيش الخضراء.
هذا الجيش الذي نضحت وطنيته ونصع تاريخه وكان في ردهات هذا التاريخ العريق الوارف بالمآثر الخالدة، منتصرا مصطفا إلى جانب شعبه، أثبت منذ اندلاع الشرارة الأولى لثورة الحريّة والكرامة، أثبت بجلاء جدارته ووطنيته وحبّه لتونس وانتصاره لشعبها حيث نذر جميع أفراده أرواحهم لحماية التونسيين والعمل على تصريف شؤونهم الحياتيّة بمختلف تمفصلاتها، فهو الذي أمّن ديمومة المؤسّسات، سواء كانت عموميّة أو خاصّة، وهو الذي سهر على توفير الظروف المواتية ضمانا لإستمرارية خدماتها.
هذا الجيش هو الذي سخّر جنوده ورجالاته لتأمين البلاد في شوارعها وطرقاتها ومحاورها وحتى أحيائها وأزقتها، سخّر أبطاله لحراسة المصانع والموانئ والمطارات والطّرقات وحتّى المخابز حماها، وهو الذي حشد الضبّاط وضبّاط الصفّ والجنود وسخّرهم لتسيير دوريّات تعمل على مدار السّاعة لتأمين راحتنا، وتقول الأخبار المنقولة من الميدان أنّ الأمر وصل الأمر ببعض عسكريينا إلى بقائهم بجواربهم لفترات تجاوزت الأيّام.
وهذا الجيش المقدام هو الذي دفع، مثله مثل أبناء المؤسسة الأمنية، دماء أبنائه الزكيّة في كلّ شبر من البلاد ثمنا لمواقفه الوطنيّة الثّابتة، يدفع ثمن إرهاب أعمى، مقيت وغادر يرغب صانعوه ومرتكبوه في تفتيت لحمة قياداته وتشتيت جهود وحداته لكنّ في كلّ مرّة “ينقلب السّحر على السّاحر” ويرتدّ فعل الإرهاب المشين على أصحابه ليقصم ظهورهم ويدحرهم ويظلّ جيشنا حصنا منيعا لثورتنا ودرعا واقيا لإستقلالنا وسيادتنا ونبراسا مضيئا نهتدي به في إرساء دعائم جمهوريتنا الجديدة.
هذا الجيش لم تقف ملاحمه ومنجزاته عند حماية ثورة الشعب من الانحراف بها من الداخل أو الاعتداء عليها من الخارج فقد تجاوزت ذلك إلى صولات وجولات اا تحصى ولا تعد ولعل أبرزها ما بذله رجالات الجيش، رفقة رجالات قواتنا الأمنية، من جهود وتضحيات جمّة كتبها التاريخ بماء الذهب في غرّة الحضارة البشرية، مواقف من الأمن والجيش التونس حريّ أن تدرّس وتكون عبرة للمعتبرين بأن إرادة الشعوب لا تقهر وإن وارتها لحين عتمة الاستبداد.
هذا الجيش هو مفخرة وشرف ليس من منطلق الكلام ولكن جيشنا تاريخه العريق موسوم بالإنجازات الوطنيّة الرائدة، سيرة حافلة بالمآثر الدوليّة والإنسانيّة، وطنيّة صرفة وتضحيات جسيمة ونكران للذّات، تتناظر معها خصال رجالاته البواسل الذين ما انفكّوا، جيلا عبر جيل، منذ تأسيس النواة الأولى لقوّاتنا المسلّحة يبذلون الغالي والنّفيس ويضحّون بالدّماء والأرواح من أجل الذّود عن حرمة تونس وتأمين استقلالها وحماية أراضيها وضمان سيادة شعبها. ولعل ما يقدّمه الجيش التونسي العظيم حاليا وعلى مدار الساعة لوطنه ومواطنيه ولشعوب العالم كفيل بجعله مضرب الأمثال ونموذجا يحتذى لكل أقطار وشعوب الأرض.
عاشت تونس دولة حرة مدنية، السيادة فيها والمرجع للشعب.
(قيس العرقوبي)
