مساء أمس الأحد، الموافق لـ 17 ماي 2026، أدى رئيس الدولة زيارة إلى منطقة دوارهيشر، الحي الشعبي المتاخم للعاصمة (ولاية منويبة)، أين التقى بعدد من مواطني الحي الكبير المأهول ديمغرافيا، وأنصت إلى مشاغلهم ومطالبهم، هذه المشاغل والمطالب التي تركزت حول تدهو البنية التحتية، إضافة إلى الخدمات الصحية والنقل العمومي، إلى جانب جملة من الإشكاليات الاجتماعية والتنموية التي تعاني منها المنطقة.
ووفق وسائل إعلام تونسية، عمومية وخاصة، فإن هذه الزيارة تأتي في إطار متابعة رئيس الجمهورية للأوضاع المعيشية بعدد من الأحياء الشعبية والاستماع مباشرة إلى المواطنين والاطلاع على أبرز النقائص والإخلالات المطروحة.
*****
الزيارة الرئاسية لمنطقة دوارهيشر مطلوبة وفي محلها لاسيما في هذا الوقت الذي يترقب فيه سكان الجهة التفاتة جدية من السلط المعنية للنهوض بأوضاع المنطقة والأخذ بأيدي مواطنيها وشبابها بما يمكنهم من تحقيق تطلعاتهم وتغيير واقعهم وأحوال منطقتهم إلى الأفضل. ولعل “دوارهيشر” من أكثر مناطق ضواحي العاصمة تهميشا، ذلك ليس وليد اللحظة أو من سنوات قليلة ولكن منذ عقود مديدة إذ لم يكن يسترعي الانتباه إليها ولمواطنيها إلا في مواسم الانتخابات حتى إذا قضيت بأهلها المصلحة انفض الجمع وغسلوا أيديهم واداروا الظهور، بموازاة ذلك بقي مواطنو “دوارهيشر” في الغالب، أو بالأحرى دائما، خارج دائرة الاهتمام الإعلامي خصوصا من جانب المسائل التنموية والتشغيل والبنية التحتية الأساسية ، بل المؤسف والمؤلم أن منطقة “دوارهيشر”، لم يكن وجودها وذكرها إلا على أساس أنها جهة حاضنة للإجرام والعنف وظواهر الإدمان المختلفة؟
إذ في الواقع هذا الحي هذا الحي، التاريخي والقديم، المنفصل عن “حي التضامن الكبير” لأسباب تنظيمية وديمغرافية، أبناؤه (ونواصل الحديث عن دوارهيشر) اطارات عليا في الدولة بمؤسساتها المتقدمة وأجهزتها الحيوية المختلفة، ومن أبناء “دوارهيشر” شهداء للوطن من الامنيين والعسكريين والمدنيين طيلة مسار “ثورة الحرية والكرامة”.. في الواقع أبناء وبنات “دوارهيشر” مواطنون، وطنيون بررة شهد لهم القاصي والداني بأنهم كانوا خير مؤتمن على منطقتهم وتخومها إبان الثورة، كما قبلها وبعدها، وذلك ديدن بياضهم الأعظم في كل المراحل والأوضاع.
“دوارهيشر” ومواطينها ومشاغلهم ومطالبهم ليست بمعزل عن صورة أحياء شعبية شبيهة الأوضاع والمطالب من بينها أحياء “الانطلاقة” و”التضامن” و”18 جانفي”، و”القباعة” و”شباو” و”وادي الليل”، هذه الأحياء إنما تعكس بوضوح صورة وعيش الطبقة الشعبية في تونس، واحداها وهي “حي الانطلاقة” هي موطن إقامة رئيس الجمهورية قيس سعيد الذي خصص في السابق لهذه الأحياء الأربعة زيارة ميدانية يوم الخميس 11 جانفي الجاري.
وإن كان الرئيس سعيّد، وباعتباره ابن المنطقة (منطقة “المنيهلة”)، يعرف عن قرب خصوصيات الجهة واحيائها فإن الصبغة الرسمية لزيارته بصفته رئيس دولة تجعله بل تفرض عليه ألا يحكم على واقع المنطقة وسكانها من منطلق معرفته الشخصية ولا أيضا من خلال أحكام ذاتية، فالرئيس لا يمكن له أن يلم بجميع الظواهر والمشاكل التي تشهدها هذه الدائرة الشعبية الواسعة جغراقيا والكثيفة ديمغرافيا! كيف!
السؤال عن الكيفية التي من خلالها يستطيع الرئيس أن يعلم ما يجهل عن “الأحياء الأربعة” هو زيارتها والإنصات عن كثب إلى مشاغل الأهالي واستفسارهم عن مطالبهم وتطلعاتهم، لذلك كانت له محادثات مع عدد من المواطنين وكذلك التجار خصوصا في ما يتعلق بتوفر المواد الأساسية.
زيارة الرئيس إلى “دوارهيشر” يطرح مجددا ملفا رئيسيا ومهما طالما مثّل الغائب الأبرز في اهتمامات أصحاب السلطة السابقين ألا وهو “المسألة الاجتماعية” وما يربطها من متعلقات “العدالة الاجتماعية”، التي لم تتجاوز تكن مستوى الشعارات والعناوين وبقيت حبرا على ورق ولم تخرج عن دائرة الوعود الإنتخابية، ليظل الوضع الإجتماعي لسكان “دوارهيشر” والأحياء الشعبية، كما هو عليه، وضع أقل ما يقال عنه أنه مزر.
زيارة رئيس الجمهورية لـ “دوارهيشر” يؤكد اهتمام قيادة الدولة بالمنطقة ونظيراتها، ويؤكد بالتوازي أن الفرصة سانحة لإخراج هذه المناطق والأحياء من أوضاعها المتردية والبداية بتجديد المنوال التنموي المتهالك الذي فاته الزمن وسبقته الأحداث واستوفى كل مبرراته.
فاليوم الخارطة الجغراسياسية والديمغرافية تكشف بما لا يدع مجالا للشك انخراما في مستوى البنية التحتية وعلى صعيد الخدمات الصحية والاجتماعية والتنموية.
الزيارة الرئاسية تبرز أيضا إدراكا عميقا بحجم المعاناة التي تعيشها “دوارهيشر” وتعايشها سائر الأحياء الشعبية في ضواحي العاصمة وبقية أرجاء الجمهورية، هذه المناطق والأحياء الشعبية تعاني من مشاكل جوهرية لا حصر لها من أبرزها تدني المستوى المعيشي وتدهور البنية التحتية من طرقات وتطهير وتنوير عمومي إضافة إلى تفاقم ظواهر البطالة في ظل شح موارد الرزق مع تفشي المخدرات والجريمة سواء جراء انسداد الآفاق أو لغياب اهتمام الدولة المطلوب للعناية بالشباب وتوفير الآليات التي تأخذ بيد هذه الفئة إلى بر الأمان.
الإرادة متوفرة وإذن يمكن تغيير الأحوال إلى الأفضل.
(قيس العرقوبي)
