صباح اليوم التالي، كان برنامج الزيارات والجولان مزدحما نوعا ما إذ يشمل مدينتي “هانغشو” و“هوتشو” على أن الزيارات ستأخذنا بالتحديد إلى “منتزه الباندا”، و”خيزران أنجي“، وكان مبرمج بعد ذلك زيارة “قرية نموذجية” من هذا النمط الحديث من القرى الصينية في مقاطعة شينجيانغ لينتهي برنامج الزيارات عند مشروع”حلم التنين” بـ “بحيرة تايهو”.
رتّبت نفسي ثم قصدت صالة الفندق الواسعة المليئة بالرسوم والمنحوتات الغارقة في قالبها التقليدي والتاريخي للصين عموما ولأهالي شيجيانغ بالتخصيص، فالإقليم الكبير ديقةناحية الأفراد ولا من ناحية المجموعات ولا المحلات ولا أي مظهر، وربما تغيب عن أمور كثير ولكن لم نكن نفرق بين من انحدر من عرقية “هان” ولا من “ويغور” ولا من “طاجيك” ولا من “كزخ” ولا من غيرهم.
تجمّعنا ولم أذهب إلى مطعم الفندق رغم ما يزخر به من مباهج الطعام ومغريات العصائر فقد كانت حبات التمر والقهوة الصباحية ثم قهوة الاكسبريس اليدوية السريعة وكيف الصباح، كانت كفيلة بأن تمنعني وتقنعني بالعدول عن وضع أي ذرة اضافية في بطني الذي كنت أرجوه ظريفا خفيفا، كيف لا والرحلة تمتد لكامل اليوم، وقد أخبرنا المترجمان عن مشقتها، وكان المقصد “حديقة الباندا” وقرية الخيزران.
وطبعا لم تكن مثل هذه الزيارات من قبيل العبث بل لها ما لها من غايات في نفوس أصدقائنا المستضيفين، ويقول المنطق والواقع أنه عندما تتناهى إلى المسامع تسمية “باندا” يهبّ إلى الأذهان سريعا اسم الصين، فهذا الحيوان الشبيه بالدبّ اقترن اقترانا وثيقا ببلد العيون الضيقة، وتحديدا الصينيين، لهذا لم يكن من قبيل العبث أن يبرمج أهل المكان للضيوف الوافدين زيارة لإحدى الحدائق الموجودة في مقاطعات مختلفة.
وعند حلولنا بـ “حديقة الباندا” تمكّنا من الوقوف عن قرب على جيئة وذهاب “الباندات الرقطاء” بلونيها الأبيض والأسود والأخرى ذات اللون الجامع بين البني والأحمر، وكنا على موعد مع التثاؤب المتكرّر لإحدى الباندات التي اختارت أن تنزوي بعيدا عن العيون بعد أن لاحقتها أصوات بعضنا تناديها باسمها المتعارف “باندا”، وفينا من تغزّل بها ليطلق البعض تسميات لإثارة اهتمامها بغرض التعرّف على كامل ملامحها أو قصد التقاط صور للذكرى.
ومن الذكاء الصيني الفائق أن تمّ إنشاء مركز تجاري عبارة عن مغازة كبرى قريبا من مدخل الحديقة، أي بوابتها الرئيسية الواسعة حيث عرضت فيها ملابس ومأكولات واكسسوارات كلّها مختومة بالختم الأصلي لحديقة “الباندا الصينية“.
وتمّ أيضا تركيز متجر شاسع تعرض فيه أنواع عديدة من الباندات أعدّت كألعاب للأطفال، أحجامها مختلفة، إلى ذلك تمّ تخصيص فضاءات للرياضة ولعب كرة المضرب، وإفراد حيّز واسع للتنزّه على ضفاف بحيرة شقّت بمياهها الحديقة لتضفي على المنظر الطبيعي البانورامي سحرا على سحره الأخّاذ.
وأعلمنا الدليل الذي استقبلنا بداية حلولنا للمكان أنّ الباندا الكسولة، أو هكذا تحلو مناداتها عند الصينيين هي حيوان قليل الحركة، مفسّرا ذلك علميّا بأنّ هذا النوع من الحيوانات تنخفض لديه معدلات النشاط البدني جرّاء تدني مستويات هرمون الغدة الدرقية، مضيفا أنّ الباندا تكتفي في نسبة 99 بالمائة بالنسبة لغذائها على “البامبو” أي أعواد الخيزران.
وكان في البرنامج أن يكون طعام الغداء في مطعم من الطراز التقليدي أقيم وسط الحديقة لنتوجه بعد الى قرية الخيزران القريبة من حديقة الباندا او بالأحرى المتداخلة معها والقائمة على حوافها، وقد حدثنا المترجمان خلال مسيرتنا على الأقدام صوب مطعم الحديقة أن نبان الخيزران في الصين مادة هامّة مثل الحبوب عندنا وأنها أثّرت وأثرت تاريخ البلاد والشعب الصيني وشملت كل مجالات الحياة.
***
تناولنا ما لذّ وطاب من الطعام، وقد تمّ التركيز على خصوصيات الأكل الذي الذي يقبل عليه أهل الجهة وهي تحديدا منطقة “لينان” المعروفة بطيورها البرية وأسماكها المتنوعة والمتفرّدة شكلا وطعما، هذه المنطقة المعروفة كثيرا بشاي الخيزران ذي المذاق اللذيذ.
وكالعادة أقبلنا على الأسماك و”السّلطة الخضراء»، وحاولت كأغلب أفراد الفريق ألا أنزلق في فخّ ملء بطن ما زال أمام صاحبه أشواط لا بأس بها من المشيء والتجوال والحركة إلى آخر المساء، وتقاسمنا هذه المرّة على غير العادة تكرار الإقبال على شرب الشاي الخيزراني الذي والحق يقال بعث بأدمغتنا الى عالم الصفاء والنقاوة الروحية والجسمانية كان يسري في الأبدان كأنه الترياق والبلسم الشافي، أو هكذا شعرت في شخصي.
بعدها رجعنا إلى “الباص” الرابض خارج المنتزه في مأوى قريب خاص بهذه الحديقة الغنّاء الكبيرة التي يرتع فيها حيوان الباندا الصيني النادر والتي قال المرافق الصيني الذي التحق بنا عند حلولنا بالمنطقة إنها قبلة للصينيين من أبناء الجهة وكذلك الصينيون من سكان المناطق القريبة ومن المقاطعات البعيدة وأنها أيضا مزار سياحي هام يقصده السياح من الأقطار المجاورة وتحديدا من آسيا ومن كل أنحاء العالم.
خلال دقائق معدودة، بلغنا قرية الخيزران المحاذية لـ “حديقة الباندا” وشرعنا بإشراف المرافق الصيني الذي استقبلنا أول حلولنا بالمنطقة، شرعنا في الجولان في أنحاء متفرقة من القرية، هذا المحيط الطبيعي والغابي الخلاّب المتاخم للحديقة، محيط اكتسحت فيه نباتات الخيزران بأعوادها ذات الأحجام المتنوعة، طولا وعرضا، مساحات شاسعة وواسعة من هذا النبات الذي يشبه القصب عندنا، وليس غريبا أن تكون قرية الخيزران تحيط بكل أنحاء حديقة الباندا التي قلنا سابقا أنّ غذاءها الرئيسي من هذه الاعواد والنباتات.
ويتمركز هذا الفضاء الخيزراني في مقاطعة “شينجيانغ” التي وفدنا عليها بمنطقة “لينان” من مدينة “هانغشو”، الواقعة جنوب شرقي الصين، حيث تشتهر الجهة بوفرة الخيزران وأعواده وبراعمه، وتعتبر المنطقة النموذجية لإنتاج واستعمال هذا الصنف من النبات، حيث أعلمنا المرافقون الصينيون أنّ براعم الخيزران في المقاطعة تشكل ثلثي إجمالي إنتاج الصين، وهي تعدّ المصدر الأوّل لتصدير المنتوجات التي يتمّ تصنيعها واستخراجها من الخيزران.
وفي غمار الجولة تمت برمجة زيارة لمتحف الخيزران بالقرية، متحف صمّمت مكونات بنائه بمادّة الخيزران وطبعا احتوى منحوتات وصور وأدوات صنعت من ألفها إلى يائها من الخيزران، متحف الخيزران تحكي تحفه ومعروضاته عن تاريخ الصين القديم والحديث، تحكي حكايات لم تحك وروايات لم ترو، في الواقع متحف يخلب الالباب ويحكي قصة شعب له في كل فصل خصوصية تفرّده وسمة تميّزه.
وأوضح لنا “المرافق-الدّليل” أن الصينيين وظفوا هذه المدخرات الطبيعية الزاخرة من الخيزران وقاموا بالتوظيف الأمثل لهذه النبتة، فمنذ القدم وإلى يوم الناس هذا لم يتوانوا عن تحويل هذه المادية الأولية الطبيعية إلى منتوجات استهلاكيّة سواء للمطبخ المنزلي أو يستعملونها كبهارات وتوابل في اكلاتهم وشرابهم.
وعبر ذكائهم المعهود وأياديهم التي لا تتوقّف حركتها عن العمل، يحوّل أهل المكان نبات الخيزران ثمّ يعرضونه للاستعمال في الداخل بالنسبة لأهل المقاطعة وسائر انحاء البلاد، ويعرضونه كبضاعة يتم تسويقها للخارج من خلال شركات تجارية تنشط في هذا المجال على مستوى العالم.
ويتمّ تحويل هذا النبات إلى أدوات منزلية من أرائك لتوضيب الصالات وأثاث لغرف النوم وتجهيزات للفنادق ولمكاتب الشغل والشركات، صغراها وكبراها، ويتمّ تحويله أيضا إلى أدوات للاستعمال اليومي في الشارع وفي البيوت ويشمل ذلك الزينة التي تتحلّى بها النساء.
ربّما لا تنفذ الكلمات ولا ينتهي الحديث من حسن تصرّف الصينيين في خيزرانهم مثل تصرفهم في كلّ منتوجات وثروات بلادهم، وهو أمر ليس بجديد عنهم، وهم إلى جانب ذلك أسسوا متحفا للخيزران يعرضون فيه بطرق متطورة وذكيّة أثر وتأثير هذا الخيزران في معيشة شعوب الصين عبر التاريخ، بما يؤثّر في هذا القادم الوافد عليهم، فيكتشف كثيرون ما معنى التصرّف الرشيد؟
أتممنا جولتنا لتشمل، تقريبا، كل أروقة ومساحات العرض قبل أن يتنقّل بنا المسؤولون عن المتحف إلى فضاء حرّ يعرض منتوجات صنعت من الخيزران ومعروضة للبيع للعموم، أغراض تذكارية وأدوات للطهي والمطبخ ولزينة النساء ولكل ضرورات الحياة تقريبا وحتى آلات موسيقية متنوعة، صينية وشرقية وغربية، قدّت من الخيزران بأسلوب جذاب ومتقن لاجتذاب المشترين، ابن بلد كان أم أجنبي، إنه سرّ المعجزة الصينية القائمة على التسويق المزدوج “الحضارة والصناعة”.
انتهت زيارة اليوم إلى “حديقة الباندا” و”قرية الخيزران”، انتهت وقد شارفت الشمس عن معانقة مغربها، لنكون بعد دقائق في جوف “الباص” متجهين صوب وحدة فندقية أعلمنا المترجمان “زهرة” و”شريف” أنها تتميّز بكونها تعتمد اعتمادا كبيرا في معمارها وخدماتها على الخيزران.
***
إذا تيسّر للمرء أن يتذوق شاي الخيزران الأصلي المطبوخ بأعواد وفتات ووريقات الخيزران الرهيفة وقتها، لا محالة، يمكن أن يعلم معنى المذاق الزكيٌ والرائحة الشذية، حينها يمكن أن يجزم بالقيمة الصحية العالية لهذا الشاي، هذه التي يستشعرها الإنسان لما يسري في عروقه غداة بلسم الجرعات الإكسيرية من راحة كأنها تكنس في طرفة عين رواسب من كدّ النفس قد تراكمت لسنين.
في ريف “هانغشو”، حيث “قرية الخيزران” أو كما يسمٌيها أهل البلد “قرية البامبو” التي يجلٌلها من كل مكان غطاء، عشبي كثيف ومجار مائية كثيرة متفرٌعة ومتدفقة لا ينضب سيلها، في جوف هذه القرية حديقة الباندا ومتجر لبيع شاي الخيزران ومواد منزلية وهدايا وكساء، صنع من الخيزران.
ولقد حدثنا المرافق المحلي الذي التحق بركبنا حال حلولنا بالمكان، حدثنا عن هذا الخيزران الخرافي والاسطوري والواقعي المعاصر في تاريخ برّ الصين واستدامته في حاضرها وأثره ووزنه في الاقتصاد والتجارة والسياحة الصينية، داخليا وفي آسيا واشعاعه في الأركان الأربعة الأرض.
بعد أن استكملنا تجوالنا بقرية الخيزران أو البامبو كما هو متداول بين الصينيين، وعندما بلغنا التلة الفندقية الجبلية غير البعيدة، التحقت بغرفتي، وقد انجلى الخيزران المطلي بألوان متناسقة في كل مكوناتها وأثاثها، في السرير والمكتب الصغير وحافظ الملابس وفي رافع الستائر وكذلك غلاف جهاز التدفئة، وحتى معلبات الشاي الصغيرة كان عنصرها الأساسي من الخيزران، هكذا بدت النبتة مرسومة بوضوح على أكياسها المربعة الصغيرة ذات اللون الأخضر الفاتح.
ولا شكّ أن رائحة الغرفة التي فاح شذى عبيرها قدّت من مادة الخيزران، بل كأنّك تستنشق عبير هذه النبتة وأنت تتجوّل في القرية الخيزرانية وجها لوجه مع أشجارها وأغصانها البهيّة الكثيفة، الباسقة التي تعانق عنان الفضاء الأخضر الرحب، ولم تشذّ اللوحة الوضّاءة، متوسطة الحجم المثبتة وسط الحائط المقابل للسرير، لا تفصلها سوى سنتيمترات عن جهاز التلفزيون المسطّح في الأعلى، لم تشذّ عن المكونات الخيزرانية في رسومها وعناصر صنعها.
أعددت كأسا من الشاي الخيزراني بشكل سريع، وقد اعتدت ذلك منذ حلولي بالبلد سواء في إعداد الشاي بأنواعه أو القهوة، وانسلت الرائحة لتعم أرجاء الغرفة، أخذت الكأس الخيزراني ووضعته إلى جانبي قريبا من مكان الفانوس الليلي الصغير المثبّت على جانب سرير الغرفة، ثم أخذت هاتفي واستلقيت على السرير بعد أن نزعت حذائي ووضعته في إحدى الأدراج المخصصة لوضع الأحذية، ورجعت محتفظا بجواربي التي لم أغامر بنزعها حينها.
خطر لي أن أعدّل المنبّه على ساعة إضافية لأنهض بعدها باحثا عمّن سوّلت له نفسه الخروج بعد ماراثون يوم شاقّ ليس كبقية أيام الدورة منذ انطلاقها، ولكن سرعان ما أزحت هذا الخاطر من ذهني، والتقطت الهاتف الذي تركته بجانبي على الفراش برهة، وتفقّدت وجود التغطية ثم انبرت أصابعي تطلب التواصل مع الأهل والصغار.
أتممت الاتصال بالعائلة واطمأن كلا الفريقين على الآخر، وانتصبت واقفا وقد حملت كأس الشاي أترشف مكنونه الرائق بين الفينة والأخرى، وانتهى بي المطاف عند النافذة-البوابة فأزحت ستائرها لأرى هذه الهبة الطبيعية الربانيّة التي أحسن أهلها استغلالها وتوظيفها ليحوّلوها إلى جنان دنيوية تخلب الألباب وتهوى إليها قلوب من زارها للحظة واحدة.
جالت عيناي من وراء النافذة التراثية، منقوشة الإطار حذو سريري، جالت بين “البنقالوات” Bungalows))، وهي وحدات إقامة سياحية أنشأت هي الأخرى من الأخشاب والمواد الخيزرانية، فضاءات بيولوجية، كنت قد رأيتها خلال دخول “الباص” إلى المكان، فضاءات أساسها مادة الخيزران وبإبداع فريد، والحق يقال، اقيمت بها فضاءات للترفيه وصالة للألعاب الرياضية وقاعة “بلياردو” وبين هذه الفضاءات انساب نهر وسواقي وجرت في الماء مراكب صغيرة عبارة عن حزمة من اعواد وجذوع الخيزران شدّت بين بعضها البعض بحبال يبدو أنها مصنوعة أيضا من الخيزران، وفي جنباتها ثبّتت مجاديف مختلفة الطول والأحجام متناغمة ما اختلاف المراكب التي لم تكن شراعية.
قلت في نفسي: “يظهر أن الليل مازال طويلا مديدا والبقعة من جنان الله على الأرض يلزم الواحد يخرج يتمتٌع على المباشر..” خرجت وتسامرت ورفاقي نحتسي وشاي الخيزران لا يبرح كأسي ولا تنقطع رشفاته سارية في العروق حتى قرب صياح الديكة في التلال والقرى المترامية التي تجذب الناظر إليها من بعيد بنظامها وهندستها، ولقد شرد بي ذهني شاحنا مخيلتي بصور شتى عن “القرى النموذجية” التي كان منصّص عليها في برنامج الزيارات ليوم الغد.
(قيس العرقوبي)
