في وقت تتدحرج فيه كرة اللهب بمرور 24 يوما على الحرب الدائرة رحاها بين إيران مقابل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية تتفاعل دول الخليج العربي سياسيا وإعلاميا مع ارتدادات هذه الحرب كونها صارت في رابط مباشر بتداعياتها إذ تتسم المواقف الخليجية تجاه إيران بالحرص على توازن دقيق بين حق الدفاع عن النفس موازاة مع تجنب الانزلاق لمواجهة إقليمية شاملة، خصوصا مع تصاعد حدة التوتر العسكري بين طهران وتل أبيب وواشنطن.
والملحوظ أن هناك إجماع خليجي على تغليب المصالح الوطنية للبلدان الخليجية، وأيضا هنالك تحول واضح في الرؤى السياسية الخليجية التي يبرز بجلاء أنها تضع “الاستقرار والأمن الداخلي” موضع الأولوبة ، إذ كشفت دول مجلس التعاون الخليجي أن “أمن دول المجلس كل لا يتجزأ”، وأن “أي اعتداء على دولة عضو يعتبر اعتداءً على الجميع”، وفي قراءة لمختلف مواقف الأقطار الخليجية يمكن تصنيف اتجاهات بوصلتها إلى بعض الأولويات المحورية إذ تعط الأولوية للأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي إلى جانب حماية سوق الطاقة لاسيما مع بلوغ أسعار البترول لمستويات قياسية (ما يضاهي ويزيد عن 110 دولارات) بسبب استمرار المعارك.
كما حصل إجماع غير مسبوق بين دول مجلس التعاون لتعزيز التضامن والدفاع المشترك، كما أنه في الوقت الذي ترفض فيه التدخلات الإيرانية، أدانت دول الخليج أيضاً الهجمات الإسرائيلية على الأراضي الإيرانية، في محاولة للحفاظ على موقف متزن يمنع اشتعال المنطقة لذلك ذهبت هذه الدول في نهج المساعي السلمية، لاسيما سلطنة وعمان ودولة قطر، هذا التحرك الدبلوماسي النشيط للتهدئة يأتي تفاديا للتصعيد ومنع لتمدد الحرب واتساع رقعتها جغراسياسيا وعسكريا. وتستخدم دول الخليج منذ اندلاع غمار الحرب نفوذها الدبلوماسي عبر الأمم المتحدة ومجموعة العشرين لتوجيه الأزمة نحو التهدئة ومنع تحولها إلى مواجهة إقليمية مدمرة.
*سلطنة عمان: دور دبلوماسي قبل وبعد اندلاع الحرب*
قبل اندلاع الحرب، لعبت سلطنة عمان لعبت دورا مفصليا في المحادثات التفاوضية التي كانت تجري في عواصم غربية، وذلك بشأن الملف النووي لطهران حيث أبلى الجانب العماني البلاء الحسن في الجلوس على طاولة المفاوضات وتقريب وجهات النظر المتباينة بين إيران وبقية الأطراف ذات العلاقة لولا الاستهداف الأمريكي الاسرائيلي غير المعلن الذي قضى فيه المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من قادة نظامه، وقد اضطلعت السلطنة عمان بدور الوسيط المحوري والحيوي في المحادثات حيث عملت كقناة اتصال رئيسية لتسهيل الحوار المباشر وغير المباشر بين طهران وواشنطن.
وقد برز الدور المحوري لسلطنة عمان بالخصوص من خلال عدة جوانب أساسية من ذلك أن مسقط كانت قد استضافت الجولات التفاوضية بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين لبحث استئناف المسار الدبلوماسي. كما أدت مسقط دورا كبيرا وحيويا أسهم في تسهيل “لقاءات جنيف” حيث أعلنت السلطنة خلال شهر فيفري 2026 عن عقد جولات محادثات في جنيف، حيث قام وزير الخارجية العماني “بدر البوسعيدي” بدور الوسيط بنقل المقترحات الإيرانية والردود الأمريكية. وقد سعى الوسيط العماني لتقريب وجهات النظر والاجتهاد من أجل إيجاد أفكار وحلول جديدة تفضي إلى تحقيق اتفاق مقبول لجميع الأطراف.
وقد توخت سلطنة عمان حكمة المواقف والردود رغم تعرضها لضربات إيرانية استهدفت أراضيها حيث التزمت السلطنة الحكمة وآثرت الحلول السلمية وبقيت تتحدث لغة الدبلوماسية وتعمل بها إذ كانت أو من يرسل برقيات التهاني للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي نجل المرشد الأعلى الراحل مما حاز احترام السلطات الإيرانية التي أكد رئيسها مسعود بزشكيان أن إيران تحفظ الود لسلطنة عمان وإنها ليست المعنية بالاستهداف، والشيء نفسه بالنسبة للدول العربية في كامل المنطقة، اي انها وعمان سواء، طبعا الكلام للرئيس الإيراني.
تتبنى سلطنة عُمان موقفاً ثابتاً يدعو إلى التهدئة الفورية ووقف الأعمال العسكرية في كل الاتجاهات، معتبرة أن الحل الدبلوماسي هو السبيل الوحيد لضمان استقرار المنطقة، كما لم تخفي السلطة رفضها العمل العسكري ضد طهران حيث أعربت وزارة الخارجية العمانية عن “أسفها الشديد للعمليات العسكرية التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، واعتبرتها مخالفة لقواعد القانون الدولي ومبدأ الحل السلمي للنزاعات”، وفي هذا المضمار أكد وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، أن “باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحا”، مشدداً على ضرورة استئناف المحادثات في أقرب وقت ممكن لتفادي توسع الصراع.
أخيرا وليس آخرا، ما يلاحظ من الخطاب الجديد الذي بدأ يظهر شيئا فشيئا ويكشف بجلاء أن هناك توجه خليجي نحو ما يمكن وصفه بـ “الاستقلال الاستراتيجي” يرجّح أن من مرتكزاته بناء “أمن خليجي مستقل” قادر على مواجهة التهديدات الخارجية دون الاعتماد الكلي على القوى الخارجية.
(قيس العرقوبي)
