إذا كنا نريد تقديم تلخيص مبسّط لمحاور ومرامي مشروع المخطط التنموي 2026-2030 فإنه يأتي ليرسّخ البعد الاجتماعي كخيار استراتيجي للدولة، ذلك موازاة مع تحقيق اندماج اقتصادي شامل وعادل بين الجهات، بما يفضي إلى تحقيق اندماج اقتصادي واجتماعي شامل وعادل بين الجهات، وتهيئة أرضيّة لبناء اقتصاد قويّ ومرن وقادر على الصمود في ظل التحوّلات المتسارعة، فمن منطلق إدراك تونس أنها ليست بمعزل عن محيطها الإقليمي والقاري ولا هي محصّنة ضد تأثير المتغيرات والتقلبات المستمرة في ظل محيط عالمي يشهد تحولات جيواستراتيجية متعددة الأبعاد تتعلق بتسارع نسق التطور التكنولوجي واشتداد المنافسة وتقلب أسعار المواد الطاقية والغذائية والمواد الأولية وتغيرات أسواق العمل.
وقد تطلّبت هذه التحوّلات الدفع للقيام بالتغييرات الجذرية اللازمة واعتماد خيارات استراتيجية مبنيّة على توجّهات قادرة على تحويل التحديات إلى فرص تضمن تكريس عدالة التنمية وإدماج مختلف الفئات والجهات في الدورة الاقتصادية وتطوير هيكلة الاقتصاد وتعزيز قدرته على الصمودـ، وانطلاقا من هذه التحديات، تضمن مخطط التنمية المرتقب من الإصلاحات وبرامج استثمار ما يستند إلى توجهات تضمن تناغم السياسات التنموية وتعزز التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية وترسخ البعد الاجتماعي كخيار استراتيجي ثابت للدولة.
وإذا كنا نريد التطرق إلى التوجهات الكبرى والخطوط العريضة لهذا مخطط يمكن تلخيصها في جمل من النقاط المفصلية، والتي منها بالخصوص:
- ضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة من خلال تقليص معدلات الفقر والهشاشة وتعزيز منظومات الحماية الاجتماعية وضمان تكافؤ الفرص في النفاذ إلى التعليم والصحة والشغل والسكن اللائق.
- تحقيق تنمية مجالية متوازنة واندماج اقتصادي واجتماعي شامل وعادل بين الجهات من خلال الحد من الفوارق المجالية وتعزيز جاذبية الجهات.
- تعزيز النسيج الاقتصادي وتطوير البنية التحتية بفضل دعم القطاعات ذات القيمة المضافة العالية وتعزيز الابتكار والبحث وتحفيز الاستثمار وتطوير وبناء الموانئ والطرقات وغيرها من المرافق الأساسية.
- تحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقي والحفاظ على بيئة سليمة عبر حسن استغلال واستدامة الموارد المائية وتعزيز الاستقلالية الطاقية والحد من التلوث والمحافظة على البيئة والتنوع البيولوجي والنهوض بالمنظومات الفلاحية.
- تحديث الإطار المؤسساتي وتكريس نجاعة المرفق العام من خلال الرفع من أداء الإدارة وتطوير الإطار التشريعي والترتيبي واصلاح الهياكل والمؤسسات العمومية.
هذه الأهداف التي يحملها مشروع المخطط الجديد للتنمية الذي تم العمل على صياغته وإعداده فترة مهمة وقد تمت إحالته على أنظار نواب البرلمان للنظر فيه والمصادقة على ماورد فيه، هذه الأهداف تبدو في واقعيتها وآفاقها منسجمة مع تطلعات التونسيين الذين مازالوا يترقبون تغييرا عميقا وشاملا يطال كل مناحي معيشتهم، يريدون تغييرا جذريا ونوعيا يكون له أثره الإيجابي في كافة جوانب حياتهم اليومية تتسم بالصعوبة لاسيما وأنها يرزحون بين وضع عام مكلف ومرهق من حيث كافة متطلباته ومستوياته لاسيما في ظل تفاقم ارتفاع الأسعار بخصوص الحاجيات الأساسية وتصاعد لهيبها المشط دون توقف أو انكفاء الغلاء المشط والمتصاعد لحاجيات المعيشة الأساسية، وعليه فإنه رغم هذا الإنسجام بين جوهر المخطط الجديد في مضمونه وأهدافه وبين ما يطالب به التونسيون إلا أن الواقع الذي يمكن مداراته والحقيقة التي يستحيل حجبها أن تحقيق هذا المخطط بنقله من المستوى النظري والحبر على الورق إلى الواقع المعاش الملموس ستعترضه صعوبات كبرى وسيجابه تحديات جمة.
نعم، تونس بإمكانها أن تصبح في السنوات القليلة إحدى قصص النجاح الاقتصادي بل يمكن أن تنحت بصمتها وتصنع تجربتها الخصوصية وتكون النموذج الملهم الجديد في فلكها الإفريقي أو حتى كقوة جديدة صاعدة مثلها مثل قوى دول أخرى افريقية وآسيوية كانت إلى حد العقود الثلاثة الأخيرة شبيهة بتونس بل أدنى منها في معظم المؤشرات والمجالات لكنها ركبت غمار التحدي وكسبت الرهان، فتونس تستطيع أن تحقق الإزدهار والتقدم وهو ما تسعى إليه ويصبو إلى ذلك شعبها، تستطيع تونس لكن ذلك رهين تغلّبها على جملة العراقيل والمعطلات التي تعترضها بقوة شاخصة، وهو ما يجب أن يحصل ويتوفر بموازاة الإنطلاق في مخطط التنمية لتونس في قادم السنوات فليس هنالك أدنى إشكال مادامت الإرادة العليا مع تحقيق التقدم والإزدهار والدفع نحو التقدم عبر تسخير كل مقوماته وسبله لكن في حال تونس يجب التوقف عند كثير من المعوقات الكبرى التي أفرزتها تركة متراكمة لعقود مما أفرز معاناة على مستوى التنمية والبنية التحية، زد على ذلك تعقد الإجراءات الإدارية وارتفاع كلفة الإنتاج مع محدودية التمويل مما أضعف الاستثمار إلى حد كبير،
علاوة على كل ما تقدّم، ضروري لفت الإنتباه إلى مسألة شائكة وهي أن الاقتصاد التونسي اليوم يعمل بقوانين وإجراءات مازالت لا تواكب بالشكل المطلوب التحولات العالمية التي فرضتها الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر والاقتصاد التشاركي. كما أن تداخل النصوص القانونية وتضاربها خلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين وأعاق المبادرة الخاصة.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن النجاح الاقتصادي يبدأ غالباً بإصلاح تشريعي عميق.، لذا تونس في هذه المرحلة هي أحوج ما يكون إلى ثورة تشريعية حقيقية (وهو مرتكز تنطلق منه وترتكز عليه رؤية تونس الجديدة، على أن تشمل هذه الثورة بالخصوص:
-مراجعة شاملة لمجلة الاستثمار.
-تحديث مجلة التجارة بما يتماشى مع الاقتصاد الرقمي.
-إصلاح قانون الصرف لتسهيل المعاملات الدولية.
– تطوير قوانين الشركات الناشئة والابتكار.
- تحديث المنظومة الجبائية لجعلها أكثر عدالة وتحفيزاً للاستثمار.
ذلك إلى جانب مراجعة القوانين التي تجرّم الأخطاء الاقتصادية والإدارية غير المرتبطة بالفساد أو الإثراء غير المشروع، فالتمييز بين الفساد المتعمد وبين الخطأ الإداري أو المخاطرة الاقتصادية المشروعة يمثل شرطاً أساسياً لتحرير المبادرة والاستثمار.
فالتحول الاقتصادي يحتاج إلى “غرفة قيادة” حقيقية تمتلك سلطة التنسيق والتدخل والحسم بين مختلف الوزارات والمؤسسات العمومية.
اليوم يواجه المستثمر التونسي أو الأجنبي عراقيل متعددة تتوزع بين وزارات وإدارات مختلفة: العقارات الدولية، البيئة، التجهيز، النقل، الطاقة، المالية، الشؤون المحلية وغيرها. وغالباً ما يتحول المشروع إلى رهينة لتضارب الصلاحيات أو بطء الإجراءات أو غياب التنسيق بين المتدخلين.
إذن فالإشكال الماثل والذي يجب التفطن إليه وإعطاؤه القدر الكبير لتشخيصه ومعالجته هو مسألة التنفيذ لا التخطيط فالمشكلة التاريخية في تونس ليست نقص الدراسات ولا غياب المخططات فمنذ الاستقلال أُعدت عشرات الاستراتيجيات والبرامج التنموية لكن أغلبها اصطدم عند مرحلة التنفيذ وهنا يكمن جوهر الأزمة التي جابهت البلاد واستعصت في كل الفترات تقريبا. فلا يمكن لأي مخطط مهما كان وجيها ولا يمكن لأي خطة مهما كانت عبقرية أن تنجح إذا ظلت المشاريع عالقة بين المكاتب الإدارية والاعتراضات العقارية والتمويلات المؤجلة.
(قيس العرقوبي)
