بعد (6) ستة عقود لازالت التلفزة التونسية تقف عند رموز الزمن الجميل الذين شيّدوها وعمروها وملئوا تونس وشغلوا شعبها ثم تواتر نزر من النجوم التي أفلت ثم ولسنوات مديدة تركت التلفزة مجالا للفراغ والإعادة والاجترار، التلفزة التونسية هي اليوم واقفة عند العقبة، هذا ليس من حيث مهنية وتضحيات أبنائها وبناتها فهم لا ريب على مستوى عال من الاحترافية ولا يدخرون جهدا من أجل تحسين المردودية وتقديم منتجات مطابقة للمعايير وهادفة، إذن فالمسألة مرتبطة أساسا بإدارة هذه المؤسسة وتسييرها، فالتلفزة بقيت تراوح مكانها رغم جهد من اجتهد من ابناء المؤسسة، فهذا الصرح الوطني لم يجد طريقه إلى الطريق الصحيح، ولم يحصل إلى حد اللحظة التوفق إلى سبيل التغيير والتصحيح والاصلاح والابتكار واستنباط كل عوامل النجاح.
التلفزة التونسية إلى الآن ما زالت تلوك علكة القديم من الأفكار والتوجهات فلم تتبدل المفاهيم والأساليب، ولم تتزحزح عن تركة “المقاس” والأعمال الموسمية التي معظمها لا يرتقي لا إلى الذائقة العامة ولا إلى ما تتطلبه مقتضيات المرحلة ولا تطلعات الشعب التونسي الذي يكابد سوء رؤى واختيارات مسؤولي التلفزة بشأن ما يفترض أن يبث، زد على كل ذلك أن التلفزة التونسية، بما هي مؤسسة عمومية، هي في واد ومشاريع الدولة والشعب في واد آخر.
حتى الرئيس نفسه أشار إلى موطن الداء وقالها بصراحة:“لا نريد نفس الخطاب الزائف الذي لم يعد التونسيون يرغبون في سماعه”(بتاريخ 26 أفريل 2026 على إحياء الذكرى 26 لوفاة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة:قال ذلك لمن يقوم على التلفزة، وهي رسالة الي بقية مسؤولي وسائل الإعلام العمومي، كلام الرئيس واضح جلي بين مفاده أنه لا يقبل خطاب التملق والتزويق والسماء صافية والعصافير تزقزق، وهذر ومذر وبرامج على مقاس شكلي لا مضموني لا يخدم سوى القاعد على كراسي إدارة مؤسسات الإعلام العمومي التي تتطلب ذوي دراية وأصحاب رؤى استراتيجية وطنية وقبل كل ذلك شخصيات لها الفهم المطلوب لإدارة المرحلة ومسايرة مستوجبات الأفق بمنظوريه القريب والبعيد، فالأمر لا يستوجب من ينسج على مقاس شخص أو لون أو غير ذلك، والرسالة العميقة أن الرئيس قال لمن يفهم : ” انا لست من الذين يؤكل بعقولهم حلاوة ولست من الذين يمكن مغالطتهم كما تم مغالطة من قبل.. لن أقول غلطوني لأن اعرف الحقيقة“.
رئيس الجمهورية، وطبعا يقاسمه الرأي كل عاقل، قال دون مواراة: “نحن لا نطلب دعاية زائفة ولكن يجب أن يكون في خدمة الوطن وخدمة التونسيين بعيدا عن المصطلحات التي لا يريدون سماعها”، و”التلفزة الوطنية لا بدة أن تغيّر خطابها وأن تكون في موعد مع التاريخ..”.وكلام الرئيس كلام يلمس واقع التلفزة الراهن، هذا الواقع الذي إن تواصل فسيفاقم حال التلفزة ومردوديتها وسيجعلها كبوة بدل أن تكون نبراسا مضيئا.
أما الرأي العام التونسي فما ينفك يسأل ويتساءل بخصوص مسائل صارت بديهية أن يستفسر عنها المستفسرون، من ذلك:
* هل أداء التلفزة التونسية اليوم مقنع من حيث المضامين والبرامج والمنوعات والانتاجات الدرامية والوثائقية وغيرها؟!
*لماذا غاب التجديد في البرمجة العامة للتلفزة لتبقى على حالها ولم تحرك ساكنا وظلت تجتر وتنهج في عمومها نفس السكة القديمة؟ وهل ذلك بدافع شح الأفكار ونضب المقترحات أم لقلة الموارد المالية؟
أما السؤال المحوري والكبير المتواتر والمتكرر فهو:
* لماذا تصحّرت التلفزة التونسية واجدبت خزينة الإنتاجية والابداعية من البرامج والانتاجات الجديدة المميزة التي تقطع مع النمطية؟ وإلى أي سبب يمكن أن توعز قلة الانتاج رغم اهتمام الدولة ودعمها المتواصل، إن ماليا أو لوجستيا أو حتى من ناحية الإرادة العليا وفتح المجال للإصلاح والتطوير؟
ثمة سؤال آخر مهم جدا يطرح في الأثناء: ألا تستحق مؤسسة التلفزة التونسية استراتيجية إعلامية واتصالية جديدة تكون ذات جدوى ومنفعة ويكون انطلاقها من تجديد برمجتها في علاقة بقناتيها مع التفكير بالشروع في صياغة مضامين لقناة أو أكثر لتطعيم المؤسسة؟!
الظرف الراهن والمرحلة المقبلة يتطلب كلاهما الاستئناس بالطاقات العالية التي مازالت تركن إلى الهامش وهي القادرة فعليا على التغيير والإنجاز وسيتأكد بالاستعانة بها انها القادرة على تحريك البوصلة صوب الوجهة الصحيحة. وهنا أعتقد، أن المؤسسة تحتاج أكثر من أي وقت فات إلى اضفاء نفس جديد ونهج رؤى مجددة تواكب مقتضيات المرحلة وتنسجم مع إرادة الشعب التونسي وتستجيب لإنتظاراته وتطلعاته من مؤسسة التلفزة الوطنية على غرار سائر مؤسسات الإعلام العمومي الأخرى التي هي أساس في البناء الوطني ولقد حان الوقت للتخلص من الرواسب والمصطلحات القديمة التي أكل عليها الدهر وشرب.
في ستينية التلفزة أمسى واجبا وطنيا ملحا إدراك أن التلفزة يجب أن تبدأ طريق التصحيح والإصلاح خصوصا في طريقة الإدارة وشكل تسييرها والرؤى والخطاب وما إلى ذلك ما أكل عليه الدهر وشرب ووجب تجديده بما يخدم أهداف تونس ويخدم شعبها دون الوقوع في دائرة التحذلق والتزلف الذي كان دوما منهاج من يوضع على رأسها خدمة لنفسه.. تونس تلفزة عمومية أفضل تستحق مشهدا إعلاميا سمعيا بصريا أفضل بحسب كل المعايير، فلم يعد مقبولا ولا ممكنا الإكتفاء بالفرجة والتسيير البروتوكولي وانتهاج أسلوب “التكرار والإجترار” وانطلقنا في خطو الخطوات المطلوبة التي يلمسها الشعب التونسي الذي يدفع فاتورة مكلفة لفائدة هذه المؤسسة الإعلامية العريقة؟ وهلاّ لقيت إلى التحقيق سبيلا تلكم التوصيات الرئاسية المتكررة بما تستحقه التلفزة من مراجعات جذرية تستعيد معها مكانتها وألقها من خلال تبني استراتيجية ذات جدوى ومردودية تثمر تجديدا لبرمجتها وهيكلتها؟
رهان إصلاح التلفزة التونسية وضخ دماء جديدة، لا غنى عنه في مرحلة التصحيح والتطوير وإلا سيبقى الحال يراوح مكانه وستظل حليمة على عادتها القديمة..
يبقى القرار في أيادي أصحاب القرار.
(قيس العرقوبي)
