سجل التاريخ بين تونس ودول وشعوب أفريقيا قاطبة صفحاته بيضاء ناصعة، ذلك ليس وليد اللحظة وإنما منذ تليد الدهور والعصور، اذ لم يكن بين تونس وبين جميع من سكن القارة بسمرها وبيضها وألوانها المتنوعة إلا كل خير، فتونس لم تنحرف أبدا عما تفرضه روابط الأخوة والصداقة ولم تكن الدولة التونسية في مراحلها التونسية المختلفة لتشذ عن مقاربة تعكس انتماء رسوخ انتماءها القاري وتجذر شعبها في محيطه، مقاربة كانت دوما إنسانية، متحضرة وعقلانية، وهي مقاربة ظلت منهاج تونس ، وهي سارية العمل بها إلى يوم الناس هذا، يشهد لها، دوليا وأمميا، بالحكمة والرصانة، لذلك كانت تونس، ولا تزال إلى حد اللحظة، من الأطراف الأكثر تعويلا على حضورها في ارساء السلم في عديد مناطق التوتر والنزاع في عدد من أقطار أفريقيا، لعل أبرزها دولة الكونغو الديمقراطية، ومن ذلك دولة رواندا، وهي أمثلة للذكر دون الحصر.
هذا المستهل هناك من يعلمه ويقر به، وهناك من يعرفه وتستيقنه نفسه ويقفز عليه، وهنالك من يجهله طبعا لهذا السبب أو ذاك، وهو ليس موضوع الحال، إذن فحقيقة الحال ان كل هذه الحملة المحمومة الشعواء، وكل هذا العذر واللغط وكل هذه الرؤوس المنسلة من الأجداث، اجتمعت فقط في مضمار الركض المجنون هفوا للعثور ولو على ذبُة شرارة لعلها توقد نارا تحترق بها تونس وأهلها، وهو لا سمح الله اضغاث أحلام، ففي الحقيقة لا احد من هولاء الذين ارتموا في ساحة الثغاء قلبه على أفريقيا ولا على هؤلاء الأفارقة المساكين الذي زج بهم أو زجوا بأنفسهم لترهق ارجلهم وقلوبهم وعقولهم ومن معهم ليجدوا انفسهم في مهب الريح، قلت أبدا ليس هؤلاء الذين امتهنوا العطن قلوبهم على الأفارقة وإنما مهمتهم ايجاد أي مدخل مهما كان وكيفما كان، المبتغى من ذلك زعزعة استقرار تونس وتهديد أمن شعبها، ويعلم هؤلاء ان حصول ذلك سبيله الإضرار بعلاقات تونس بالبلدان الأفريقية، الشقيقة منها والصديقة، ذلك عبر تضخيم تعامل تونس مع الظاهره وإخراج المسالة من سياقها، والعمل المكثف على شيطنة تونس، دولة وشعب والامعان في تشويه صورة تونس في أفريقيا والعالم.
النظر بمنظار الواقع المعاش، والاحتكام إلى الواقعية المجردة هو ما يوجب الإصداع بهذا الكلام او بالأحرى الصدوح بهذه الحقيقة، وحتى لا تتحول سردية “عنصرية تونس والتونسيين”، حيال المهاجرين الأفارقة غير النظاميين، هذه السردية الجوفاء الخاوية، حتى لا تتحول إلى مطية يتوسلها اراجمة من باعة الريح للمراكب غايتها الإضرار بدولة وشعب، كلاهما لا ناقة له ولا جمل في ما نزل عليه بلا استئذان، وبلادنا، التي من واجبنا الدفاع عنها ووفق الحق وليس دونه، تقريبا من البلدان القلائل التي تحفظ وتطبق ما جاءت به التشاريع الدولية، وحتى الشرائع السماوية في صلة بالمواطنين الأفارقة وكل بشر العالم، فهي التي لم تمارس القوة القسرية لترحيلهم كما فعل من فعل بل وتعاملت بروية ورصانة حتى مع من سولت له نفسه أن يلج بيوت المواطنين سطوا وعنوة، بل ونام في فراشهم، فلم تقم السلطات إلا بما تمليه إرادة الدولة العليا من إنفاذ للقوانين سارية المفعول، حفظا للحقوق.
فتونس، ومنذ شيوع تفشي ظاهرة الأفارقة غير النظاميين بل وانتشارهم بشكل ملفت وإبل قامة تجمعات غير حضرية خصوصا في مناطق تصنف على أنها حساسة وحيوية وكذلك انتشارهم بشكل عشوائي في مناطق ذات صبغة سياحية ومهمة، فان تونس لم تفقد منها الروية ولا العقل وظلت على سجيتها وتدير الأمور بما تقتضيه الحكمة ودون الانسياق لا مع دكاكين الإثارة والقلاقل ولا مع ألسنة التحريض من بعيد أو قريب، وهي تعامل الأفارقة بأكثر هدوء وانسانية، لا محتشدات ولا مناطق عازلة ولا شيء من قبيل ذلك، كما هو موجود هنا وهناك تحديدا في أماكن إقامة العديد من الذين يرجمون تونس، زورا وسفها، بانها عنصرية.
أقل ما يقال في حق الوطن..
(قيس العرقوبي)
