عندما تضع قدميك أمام متحف الصين للعلم والتكنولوجيا، تتأكد بما لا يدع مجالا للشك بأن هذا التقدم الصيني المستمر والمتسارع، والذي يتحقق بشكل ثابت ومتجدد يساير في ذلك متغيرات العصر وتقلباته، ليس ثمرة الصدفة ولا هو من قبيل الحظ الملقى على قارعة الطريق، عندما بلغنا أعتاب المتحف كانت في انتظارنا تحفة أخرى معمارية شاخصة تجذب لها الأنظار وتشرئب لها الأعناق، إنها الحديقة الأولمبية) الاستاد الوطني (أو ما يتداول على تسميته بـعش الطائر، وهي لعمري تحفة متفردة تعكس بصمة فارقة ممهورة بختم صيني مميز، وإن كان غير مبرمج زيارة الحديقة الوطنية ولكن كان من السهل فك شيفرة أسرار هذا المبنى المشيد المهيب من خلال تفحص شكل البناء الخارجي والتمعن في حجمه وتعاظمه بما يتيح لأي عابر سبيل أن يستشرف صورة تقريبية في ذهنه تبوح بأن هذه الحديقة الوطنية ومتحف العلم والتكنولوجيا كلاهما معجزة في حد ذاتها.
ما لاحظناه وشاهدنا ذلك عيانا، أول حضورنا بالمكان أن المتحف مزار يقصده التلاميذ والطلبة يأتون من كل حدب وصوب، جميعهم تهفو نفوسهم لولوج فضاء المتحف، يأتون من مختلف المدارس والجامعات من داخل بكين وحياضها ومن كل أرجاء الصين المترامية للاستطلاع والاستكشاف والوقوف على حجم الابتكارات والعلوم التي راكمتها دولتهم من أدوات وتقنيات على مر ردهات التاريخ القديم والحديث، وقد زاد منسوب معرفتنا من خلال سيل المعلومات التي قدمتها إحدى مضيفات المتحف التي كانت الدليل لنا منذ حلونا بالمبنى، والتي قدمت لنا معطيات دقيقة تفيد بأن هذا المتحف إنما هو مؤسسة وطنية شاملة إذ هي في صميمها اليوم مرفقً هام لنشر العلوم وتعزيز الوعي العلمي لدى المواطنين الصينيين، صغيرهم قبل كبيرهم، حيث يعد المتحف مركزا تفاعليا ضخمًا لنشر العلوم عبر معارض فنية تشمل الفضاء، الطاقة، والنقل، وتكنولوجيا المعلومات. يضم عددا من الطوابق تعرض ابتكارات قديمة وحديثة، مع تجارب عملية وأفلام عالية التقنية.
عندما تخطو خطواتك الأولى داخل مبنى المتحف يبهرك المكان وتدهشك محتوياته ويعجبك خصال وثقافة القائمين عليه ال\ين لا تعوزهم اللطافة ودقة المعلومات إذ يجيبونك عما تسألك به نفسك، يفعلون ذلك بتواضع فطري. لا ريب أن المكان سيعجبك ويخلب لبك وأنت تزوره للوهلة الأولى كما حصل مع معظم المؤسسات والمنشآت سبق وزرناها، سيعجبك ويبهرك، لأنك وأن تجول في فضائه ستكون حينها على موعد مع ما لا يحصى ولا يعد من اليات تكنولوجية ورقمية تجمع بين أدوات وتقنيات من فترات قديمة مرورا بالعقود الأخير من القرن العشرين، وتحديدا فترة السبعينات والثمانينات وحتى التسعينات، ه\ه التقنيات والأدوات التي مجالات عدة متنوعة تخص الفلاحة والري والصيد البحري الى انماط التكنولوجيا الجديدة من صواريخ ومركبات فضائية ومواد الكترونية ومنصات رقمية رفيعة المستوى.
وأخبرتنا المضيفة أن أبرز مميزات المتحف: تشمل “مجد الصين” (التقنيات القديمة)، “العلوم والتكنولوجيا ومجتمعنا”، و”تحديات المستقبل”. الأنشطة التفاعلية: يوفر تجارب عملية ممتعة للأطفال والزوار في مختلف المجالات العلمية. الطوابق والأقسام: يغطي مساحات واسعة تتضمن قاعات للطاقة، المواد، الآلات، المواصلات، واستكشاف الفضاء.
ولعل من الفضاءات الخصوصية التي رسخت معالم أركانها ومحتوياتها بذهني هي على التوالي *قاعة مجد الصين* و*قاعة: جنة العلوم* حيث أمدنا القائمون على المتحف بكتيب زاخر بالمعطيات الموثقة بمؤشرات رقمية ووثائق تصويرية تخص هاتين القاعتين المميزتين في المتحف، حيث وردت فيهما المعلومات كالتالي:
+قاعة مجد الصين
تُسلّط هذه القاعة الضوء على الإنجازات البارزة للصين القديمة في مجالات العلوم والتكنولوجيا، والتي لعبت دورًا هامًا في تعزيز التقدم الاجتماعي الصيني والحضارة العالمية. تنقسم القاعة إلى خمسة أقسام. يُقدّم قسم “المقدمة” للزوار لمحةً عن الصين القديمة، ويضمّ معرضين رئيسيين: مرصد تاوسي، وهو جزء من موقع تاوسي في المجرى الأوسط للنهر الأصفر في الصين القديمة، وتماثيل برونزية لعلماء من الصين القديمة. يعرض قسم “الابتكار التكنولوجي في الصين القديمة” بعض الاختراعات والابتكارات التكنولوجية الهامة في مجالات التعدين، والتكنولوجيا الزراعية، وآلات الري، والنسيج، والهندسة المعمارية، والملاحة. تشمل المعروضات الرئيسية منجم تونغلوشان، وآبار ملح زيغونغ، وآلات زراعية متنوعة، وآلات نسيج، وقصور، ومساكن، وتخطيط حضري، ومركبات، وتقنيات ملاحة متطورة. أما قسم “الاستكشاف العلمي في الصين القديمة” فيُبرز الإنجازات الملحوظة التي حققها الصينيون الأذكياء والمجتهدون في مجالات عديدة. هناك، يُمكنكم مشاهدة الوخز بالإبر الصيني، والكرة الفلكية، وخريطة النجوم، وجهاز قياس الزلازل، ونموذج لمشروع دوجيانغيان للري ، وآلات موسيقية قديمة، ومرايا نافذة للضوء. يُعرّف برنامج التبادل بين الصين والحضارة العالمية بالاختراعات الصينية المتقدمة التي انتشرت في العالم، لا سيما ” الاختراعات الأربعة العظيمة صناعة الورق، والطباعة، والبارود، والبوصلة. ويُعدّ “المساحة التفاعلية” مكانًا مميزًا يتيح للزوار فرصة المشاركة في الطباعة الخشبية وصناعة الورق باستخدام أساليب عريقة.
+قاعة جنة العلوم
تُعدّ هذه القاعة مكانًا جذابًا للأطفال الذين يُحبّون العلوم والأنشطة التفاعلية، حيث يُمكنهم الاستمتاع بوقتٍ ممتع. تضمّ القاعة سبعة أقسام عرض موضوعية: المزرعة السعيدة، خليج الماء المبهج، قلعة العلوم، استكشاف الجبال، جزيرة الأمان، مسرح العروض، والأنشطة التفاعلية، بمساحة إجمالية تبلغ 3800 متر مربع (40896 قدمًا مربعًا). صُمّمت القاعة خصيصًا للأطفال من سنّ ثلاث إلى ثماني سنوات، بهدف غرس حبّ العلوم في نفوسهم من خلال أساليب تعليمية متنوعة، تشمل الألعاب والمناقشات والتفاعل.
أمضينا نصف يوم كامل في التجوال بين قاعات وأروقة وأركان متحف العلم والتكنولوجيا ليرتحل بنا المكان ومحتوياته في رحلة تأرجحت بين الماضي والحاضر وكذلك المستقبل، ماض توشح بملاحم شحذت عزائم الصينيين الذين كابدوا وضحوا وعملوا ولم يركنوا إلى الانكفاء وولدت اختراعاتهم الأولى من رحم الحاجة ليصنعوا حاضرا موسوما بالتميز والتفوق من خلال القدرة على خلق ابتكارات تقنية وتكنولوجية مستحدثة تخلب الألباب وتسهب العقول، إلى ذلك فإن زيارة المتحف ومشاهدة ما فيه من استشراف تكنولوجي يؤد أن المستقبل سيكون الصينيون من رواده ومرجعا لوجهة بوصلته فلقد أضحت الصين من مراجع هذه التكنولوجيا اضحت أساسا لا غنى عنه من أسس عيش الصينيين من كل الفئات الاجتماعية والاقتصادية، وكذا الشرائح العمرية، ولن يبالغ المرء إذا صدع قائلا: لقد فاق الصينيون كل توقعات الدماغ البشري في توقعاته ناحية التطور التقني والتكنولوجي ومرادفاته.
