معمار سامق ومشهد بانورامي ينبئ عن رقي شاخص، هذا لعمري ما تبصره العيون إذا شاهدت العاصمة الكينية نيروبي التي تظهر على الشاشة كأنها إحدى مدن ناطحات السحاب في حاضرة من حواضر العالم المتقدم وان كانت الصورة لا تختزل كل كينيا هذه الدول الافريقية الصاعدة التي يتوضح جليا أنها تسعى لتضع لنفسها بصمة في غمرة العصر الجديد الذي لا ينتظر قطاره الهافي ثانية تأخير أو كسل وتلكؤ، ويبرز بجلاء ان هذه الدولة التي كانت إلى حدود الأمس القريب غارقة في أزماتها المتشعبة، متعثرة على كل المستويات لكنها ضبطت رؤاها وحددت أهدافها ورسمت برامجها، ذلك بعد أن استوعبت دروس الماضي واعتبرت من التشرذم والضعف والانكسار، فلما عزمت على التغيير عثرت على الطريق السالكة التي وجدتها من قبل ذلك دول عديدة، ذكرا ودون الحصر: رواندا وبوتسوانا واثيوبيا وكوت ديفوار، هذه البلدان التي كسرت أغلال التقهقر وتخلصت من قيود التبعية الكاملة صارت اليوم مضرب المثل في محيطها الإقليمي والقاري، وأمست تجاربها الناجحة والنوعية يشار إليها بالبنان ونماذج مرجعية ملهمة تستدعي العودة إليها والاحتذاء بها.
كلما صادف وشاهدنا الصور الجديدة وغير المسبوقة، وكلما اطلعنا على الوثبات النوعية التي أحرزتها دولة شبيهة أو في الغالب ذات مستويات دنيا، تجلو صورة تونس بين أعيننا فهي دولة مستطيعة قادرة على نحت مسيرتها وإنجاح تجربتها وترك بصمتها الخصوصية المتميزة فهي دولة لها الإمكانيات ولديها المقومات فهي تمتلك ثروات طبيعية وطاقية معتبرة، ويكفي فقط أن نذكر أنها تحتكم على 80 مليون شجرة زيتون أي ما يضاهي 7 إلى 8 أضعاف عدد سكانها البالغ 12 مليون نسمة )استنادا إلى إحصائيات مركز الصاء الرسمي للدولة(، وإلى ذلك تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي متفرد يربط افريقيا بأوروبا وهو نقطة ارتكاز شامل ومتقدم في الحوض الجنوبي للمتوسط، وفضلا عن ذلك وتحتكم تونس على موارد بشرية فائقة الكفاءة متعددة التخصصات ذات الصبغة الحيوية والحساسة التي تستوجبها أي مسيرة للتقدم.
كما أن تونس مؤهلة في صلة بإرساء ركائز التحول إلى “الطراز الرفيع“ إذا تم تجسيم الإصلاحات اللازمة والجذرية انطلاقا من إصلاح المنظومة الاقتصادية والذي يقتضي بالضرورة الانتقال من الاقتصاد الريعي التقليدي إلى اقتصاد المعرفة والرقمنة والتكنولوجيا الحيوية، على أن ذلك مرهون تحقيقه بتشجيع الاستثمار والابتكار موازاة مع تبسيط الإجراءات الإدارية وفتح المجال للشباب والمؤسسات الناشئة لإنشاء الثروة. ذلك إلى جانب إيلاء الحظوة لتطوير البنية الأساسية، أي تحديث الموانئ، والمطارات، وتكثيف شبكات النقل اللوجستي وتجديدها بما يعزز دور تونس ليس فقط كبوابة اقتصادية لإفريقي بل كفاعل اقتصادي مهم وريادي على الصعيد القاري والاقليمي.
ومن خلال قراءة المؤشرات في شموليتها تحرز تونس تقدما ملحوظا لاسيما على نطاق التوازنات المالية وتعافي الاقتصاد بما يسمح فعليا بأن تنحت البلاد تجربتها الناجحة وتبلغ المأمول من مدار التطور والاكتفاء خصوصا في ظل ما تسلكه من مناهج تنسجم مع متطلبات سوق الشغل العالمي المستقبلي، مؤسسات قوية تضمن استدامة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية لشعبها.
*قيس العرقوبي
