رافقتنا “أمينة” إلى سطح المركز الدولي للمعارض بهانغتشو حيث “الحديقة العلوية” أو بالأحرى “الحديقة المعلقة” كما يصطلح على مناداتها من قبل أغلبية أهل المكان وزائريه، ولقد كان لهذه المرافقة غاية بليغة وحكمة بالغة من جانب المسؤولين الصينيين بالمكان، ومن الطبيعي أن يكون الأمر من منطلق التوجه العام الذي تنهجه البلاد، أي انطلاقا من توجيهات مسؤولي مقاطعة “شينجيانغ” الذين يعملون وفق نهج وتوصيات الحكومة المركزية للصين.
لقد كانت “أمينة” من قومية “ويغور” المسلمة بشينجياغ، وهي جامعية مثقفة وتحمل درجة عليا في تخصص التواصل الخارجي مرفقة بشهادة في اللغة الفرنسية، وهي تحذق التواصل عبرها وتتحدثها بطلاقة لافتة لكل من يعرف اللغة الفرنسية وقواعدها خصوصا من “الفرنكوفونيين” الذي يتداولون هذه اللغة من أمثالنا، نحن التونسيين والجزائريين، لقد عرفنا كل هذه التفاصيل عن “أمينة” عندما قدمت لنا نفسها في مستهل الاستراحة بالحديقة المعلّقة، واعتبرت ذلك، شخصيا، ضربة حظ ستمكنني من التخاطب معها بشكل مرن وأكثر انسيابية.
وعندما كانت “أمينة” بصدد تقديم معلومات عن نفسها وموطنها الذي ولدت فيه والقومية التي تنحدر منها، كنت أنا بصدد استذكار مضمون المحاضرة التي حضرتها مع الفريق الإعلامي المرافق لنا في زيارتنا إلى الصين، وقد ألقاها أحد الأساتذة من المحاضرين الصينيين، وهو بالمناسبة دكتور يدرّس في جامعة بكين للغات والثقافة، ومن عادتي أن أنتبه جيّدا في أية محاضرة، ليس ذلك في الصين فقط وإنا في بلدي تونس وفي أي مكان أحل بها ذلك احتراما للمحاضرين عموما الذين، هم بديهيا، يفترض أن يكون محل انصات احتراما لقاماتهم وما يجودون به من معارف قيّمة.
+جوهر محاضرة الدكتور بجامعة بكين للغات والثقافة عن “التنوع العرقي والثقافي في الصين”..
قدّم لنا الدكتور الجامعي الذي لا أذكر اسمه، وعذري في ذلك ذاكرتي وغفلة مني عن تدوين اسمه ولو بالعربية، هذا الدكتور الذي أمضى نصف يوم كامل ليحدثنا عن “التنوع العرقي والثقافي في الصين”، ومما استحضرته من كلام الدكتور، جيّدا حينها، أنه بيّن لنا من خلال معطيات رقمية وخرائط ومصادر حديثة ومراجع تاريخية، أن الصين نموذجاً فريدا للتعايش بين مجموعة واسعة من الأعراق والثقافات، حيث تمثل فسيفساء بشرية غنية ومتنوعة، ورغم أن صينيي “الهان” يشكلون الأغلبية العظمى، فإن البلاد تضم 55 أقلية عرقية معترف بها رسمياً، تعيش جنباً إلى جنب وتساهم في إثراء الحضارة الصينية.
وأوضح لنا الدكتور المحاضر كيف يتميّز الشعب الصيني باحترام عميق للتقاليد والروابط الأسرية والتسلسل الهرمي، وهي قيم متأثرة بـمبادئ الكونفوشيوسية أما ما يخص الديانات والمعتقدات فيمتزج الدين الشعبي الصيني بالبوذية والطاوية ومعتقدات تقليدية أخرى، مع تبجيل خاص للآلهة والأشباح والأسلاف.
وشرح لنا الدكتور كيف أن “الوحدة والاندماج” من الثوابت الراسخة، وأنهما ديدن عمل الحكومة المركزية لجمهورية الصين الشعبية التي تتوخى مسارا ثابتا ومستدام لتعزيز الوحدة الوطنية الصميمة الكاملة حيث الأقليات مثلهم مثل الأغلبية، ذلك بالخصوص بتفعيل نظام إداري تُدار من خلاله شؤون الأقليات بشكل يضمن بالكامل حقوق وواجبات هذه القوميات، مضيفا القول: “لذلك تمثل الصين نموذجاً للتنوع العرقي والتناغم والتعايش” بفضل النسيج الثقافي المتنوع الذي يضيف ألواناً غنية للوحة الحضارة الصينية”.
واستعان المحاضر بخريطة مرئية لجمهورية الصين الشعبية ليبيّن لنا التوزيع الجغرافي لأهم القوميات والأقليات، لعل أبرزها الزوانغ (تعد الأكبر)، والهوى (مسلمون)، والويغور (مسلمون)، والمانشو، والتبتيون، والمغول، والمياو، واليي، والباي، موضحا أن الأقليات العرقية تنتشر في مناطق واسعة تشكل أكثر من 60 بالمائة من مساحة الصين الإجمالية، خصوصا في مناطق سيتشوان، التبت، قوانغشي، ومنغوليا الداخلية.
وعرّج الدكتور على موضوع “التنوع الثقافي في علاقة بالمسلمين الصينيين”، لافتا إلى أن الصين تضم أساسا (10) قوميات مسلمة (مثل الهوى، الويغور، القازاق، القرغيز) وتتميز كل قومية من هذه القوميات بثقافاتها وتقاليدها الخاصة، وألمح إلى بعض من خصوصيات المسلمون “الويغور” الذين يقطنون مقاطعة “شينجيانغ” التي نلنا شرف زيارتها، والتي تنحدر منها “أمينة” التي نلنا، ونلت شخصيا، شرف التحدث إليها والتواصل معها.
+ “أمينة الصينية الويغورية”: نموذج بشري للتعايش، الثراء والتنوع واللحمة والوحدة، والولاء الكامل للوطن الأم..
عندما كان وقت الاستراحة أخذت قهوتي، وانتحيت ركنا من أركان الحديقة المعلّقة التي كانت حقا مكسبا ترفيهيا وبيئيا عظيما، حين جلت بناظريّ في الفضاء لمحت “أمينة” وقد انشغلت تارة بمعالجة هاتفها الخلوي، وانهمكت تارة أخرى تتصفح لفافة الأوراق التي مسكتها بيدها الأخرى بعناية واضحة.
قصدت مكانها وبادرتها بالتحية الصينية “نيهاو” ثم أرفقتها بـالتحية الفرنسية “بونسوار” فردت بالصينية والفرنسية وردتها أيضا (أي التحية) بمنطوقها العربي “السلام عليكم”، كانت واقفة بشكل شبه منحن فعدّلت وقفتها، وابتسمت وخفضت رأسها ثم رفعته مبتسمة، ثم بدأنا حوارنا الذي كشف لي “جوهرة صينية” خالصة، هذه الصينية الويغورية التي كانت تعرف بلادنا ومميزات شعبها وتعلم الكثير والكثير عن معظم الدول العربية والافريقية لاسيما الناطقة بالفرنسية.
بادرتني أمينة بالسؤال عمّا إذا أعجبتني “شينجيانغ” التي وصفتها مثلما وصفتها، وكرّرت ذلك مرارا، المسؤولة المحلية، الهاشة بشوشة الوجه، التي استضافتنا على عشاء شرفيّ خلال اليوم الأول لحلولنا بالمكان فلم أجد بدا من الإعتراف لها بما وجدته في المقاطعة من خيرات حسان ومن بشر طيبين وطبيعة تخلب الألباب ومن عظمة البنايات وتطوّر البنية التحتية والطرقات والمسالك ونظافة الفضاءات العامة والخاصة، قلت لها أنني انبهرت حقا بما زخرت به “شينجيانغ” من مزايا وتقدّم في حواضرها وأريافها فكأنها لا تختلف في شيء عن أبّهة وعصرنة بكين.
أنصتت أمينة باهتمام إلى كلامي دون أن تقاطعني فلما أكملت قبضت أصابع يديها الصغيرتين ثمّ قطٌبت حاجبيها قبل أن تردف قائلة:
-” يجب عليك أن تظل (3) ثلاث أو (5) خمس أو ربما عشر سنوات كاملة، وأنت تجول وتتجوّل في شينجيانغ لتقف على غيض نمن فيض ما تزخر به من نعم وخيرات وما تختزنه من أسرار ومعجزات، وكي تفهم عيش شعبها وتلمس رحمة اختلاف القوميات والعرقيات فيها”، في شينجيانغ الجميلة تجتمع كلّ عناصر الطبيعة من البحر والبحيرة والجبال والكهوف والشلالات والمواقع الأثريّة والتراثيّة والمتاحف والمعابد والتماثيل العملاقة إضافة إلى الحدائق الشاسعة والمنتزهات والجسور القديمة، في “شينجيانغ الجميلة” ستكتشف فصولا كثيرة من رواية المعجزة الصينية التي أذهلت العالم“.
كلام “أمينة” المعبّر نضح بعمقه وطفح بصدقه وشحنته عاطفة جياشة يمكن أن تلمسها واقعيا في حياة الصينيين وممارساتهم اليومية المختلفة.
ولم تقف أمينة عند قولها ذاك بل قالت في وطنها الكبير، الصين الأم، كلاما مشبعا بالجواهر التي لا يمكن إلا الإفصاح عنها، قال وهي تحادثني: “الوطن الأم، الصين، هي ملاذ الروح يهفو إليه كل أبنائها، من كل القوميات دون استثناء، الصين أولا وأخير وما بين ذلك تفاصيل.”. ما قالته أمينة يدحض بديهيا ما يروّج له من ترهات مفبركة هدفها تشويه الصين وحشد الصينيين ضد بعضهم، لكن ذلك من قبيل أضغاث الأحلام فالصين منيعة عصية على من لا يريد لها الخير الذي حققه قادتها لشعبها العظيم. الصين قوية ومستمرة في بناء قوتها ومراكمة منجزاتها العملاقة وشعبها موحد ومتماسك وطينه من طين الوطن، وروحه من روح الوطن”.
انتهى لقائي “أمينة” بانتهاء الإستراحة ولم أغادرها إلا وقد دعوتها لزيارة تونس إن أمكن لها ذلك يوما، انتهى اللقاء وانتهت معه زيارتنا إلى المعرض الدولي بهانغتشو، لتنتهي بهذه الزيارة رحلتنا المأثورة إلى “شيجيانغ الجميلة”، لنعود إلى بيكين أين سنمضي الأيام الثلاثة المتبقية من عمر رحلتنا التدريبية إلى جمهورية الصين الشعبية، وفي الأثناء كان فكري معلّقا بـ “متحف التكنولوجيا” المرتقب أن نزوره عند أول عودتنا إلى حاضرة بكين.
(قيس العرقوبي)
