توغر بك المسافات والطرقات الجبلية المديدة لتمرح وسرح ناظريك على جانبي الطريق فتستمتع بلوحات فسيفسائية من الطبيعية الخلاّبة يزيدها جمالا وبهاء مناظر المنازل والبيوت ذات الطابع المتفرّد خاصّة تلك الأسقف المثلثة في شكل مثلثات نصفيّة تشبه نوعا ما الأسقف القرميديّة الحمراء لتلكم المباني الجميلة في جهة طبرقة التونسية.
ولجت الحافلة بنا بضع من قرى الصين وريفه، وتحديدا التجربة التي أطلقتها السلطات أو ما يعرف بـ “القرى النموذجية” التي أخبرنا المرافقون من أهل البلد أنّها أنجزت لأوّل وهلة وأقيم النموذج الأوّل لها في “شينجيانغ”ّ حتّىّ رافقنا الوفد المكلّف إلى إحدى هذه القرى الصينية التي تمّ تعميمها على معظم أرياف المقاطعات، حتّى إذا دخلناها وقفنا مندهشين على ما نرى من بنايات وبنية تحتية ومثال هندسي لا نراه في أرقى المدن والأحياء عندنا، فأنت تشاهد القرية النموذجية بمنازلها المقامة بشكل أقلّ ما يقال عنه أنّه متناغم وعصري جدّا وربّما تجد القرية أكثر تقدّما في مرافقها وخدماتها من مراكز نخالها سريعة وعصرية وما شابه من توصيفات.
فـ”القرية النموذجية” هي موطن يحلو فيه العيش حقيقة، فضاء حياتي وسكاني تهدأ فيه النفوس وتنساب فيه الأنفاس بلا ضيق وتأخذ فيه العقول والأجسام حريتها وراحتها في الاسترخاء، هكذا يحدث لك نفسيا وجسديّا وأنت تتجوّل فقط بين مكونات هذه القرية.
وفي جولتك تعترضك الأشجار الخضراء الباسقة تعانق البيوت ذات الطابقين بنوافذ بلورية جميلة، وفي بعض الأركان بحيرات صغيرة كأنها حلقات متلألئة في سلسلة من الذهب والفضة وقد صفى ماؤها لتضفي على المكان مسحة من البهاء والجمال، وهنا وهناك تنتقل الأنظار هافية ليستمتع ببضع محلات متباعدة لكن مشيّدة بتناسق كبير إذ فيها المتجر وبائع الخضر والغلال وغيرها من الدكاكين ذات المنحى الاستهلاكي.
وفي “القرية النموذجية” حضر كلّ شيء حتّى الثقافة وضعت بصمتها ظاهرة مكشوفة للعيان، ففي ركن محوري شيّد فضاء رحب خصّص للمطالعة والفنون، وفي جوفه انتصبت مكتبة ضخمة حملت من المؤلفات ما جمع بين السياسة والاقتصاد والتاريخ والفنون والصحة والفلك، وغيرها من أبواب الفكر الصينية المتنوعة.
وقد أفردت مساحة لا بأس بها من هذا الفضاء الثقافي للعروض المسرحية، فيما انتصبت بعض الآلات الموسيقية غير بعيد، قالت مرافقتنا من أهل المكان إنّها موضوعة على ذمة أهل القرية، من الكبار والصغار والنساء والرجال والأطفال، والذين تحدوهم الرغبة في تعلّم العزف أو الذين يتقنون العزف عليها بطبعهم، وعرفنا نها أن هذه الآلات كثيرا ما استعملت لإحياء بعض الحفلات في فضاء القرية سواء في مناسبات وأفراح عائلية، وخصوصا في المناسبات الوطنية الكبرى.
إذا اقتربت من المكتبة ستكون وجها لوجه أمام مجلدات وكتب ومنشورات مختلفة الأحجام والأشكال والألوان، ستعثر على زخم من المؤلفات القيّمة، والتي بيّنت لنا المرافقة أنها تطرق شؤون التاريخ وتتناول سير بعض الزعماء والعظماء ورموز المقاطعة، وفي طليعتهم الرئيس شي جين بينغ، الذي خطّ مسار وترك مسيرة مأثورة في المقاطعة وقد عرفت شخصيا ذلك الأمر من خلال كتيّب موجز قدّمته لنا القائمة على شؤون المكتبة.
هذا “الكتيّب المرجعي” الذي أخذ كل واحد فينا نسخا منه يتضمن أحداث وتواريخ تتعلق بمسيرة وإنجازات الرئيس شي جين بينغ في “شينجيانغ” حيث ورد في هذا الكتيّب بالخصوص أنه:
“في عام 2002 غادر شي جين بينغ مقاطعة فوجيان وتولى مناصب سياسية قيادية في مقاطعة شينجيانغ المجاورة. وبعد عدة أشهر قضاها حاكمًا بالنيابة، تولى منصب سكرتير لجنة الحزب في المقاطعة، ليشغل بذلك منصبًا رفيعًا على مستوى المقاطعة لأول مرة في مسيرته السياسية.
وفي نوفمبر من العام نفسه، انتخبه المؤتمر الوطني السادس عشر للحزب عضوًا كامل العضوية في اللجنة المركزية السادسة عشرة، مما مثّل صعوده إلى الساحة الوطنية. وخلال فترة وجوده في شينجيانغ، شهدت المقاطعة نموًا اقتصاديًا بلغ متوسطه 14 بالمائة سنويًا.
وقد تميزت “مسيرة شي جين بينغ في شينجيانغ” بموقفه الحازم والصريح ضد أي شكل من أشكال الفساد، مما أكسبه شهرة واسعة في وسائل الإعلام الوطنية الصينية، ولفت إليه انتباه كبار قادة الصين في ذاك الوقت.
وبين عامي 2004 و2007، شغل لي تشيانغ منصب رئيس ديوان شي جين بينغ من خلال منصبه كأمين عام للجنة الحزب الشيوعي في مقاطعة شجيانغ، حيث نشأت بينهما علاقات وثيقة. خلال هذه الفترة، وضع شي ولي تشيانغ استراتيجية “الثمانية المزدوجة”، التي حددت ثماني مزايا نسبية لمقاطعة تشجيانغ وثمانية إجراءات مقابلة لتحسينها.
ولعلّي ألفت النظر هنا إلى تلك المصادفة الغريبة التي حصلت بالتزامن مع وجودنا في “شينجيانغ” وتقاطعت مع الزيارة التي أخذتنا لهذه القرية النموذجية، ألا وهي مشاهدتي لحلقة من مسلسل بعنوان “أجمل قرية” كانت تعرضه قناة الصين العربية، من نمط المسلسلات الواقعية الملهمة تنبع أحداثه من رحم الواقع اليومي، السياسي والاجتماعي والمجتمعي والاقتصادي والثقافي، للصين الجديدة بما يترجم عمق القضية الصينية ويعكس فسيفساء المجتمع الصيني من سكان المدينة والريف إذ تتضمن الحلقات في تفاصيلها وخباياها طموحات مختلف الأجيال التي قاسمها المشترك نهضة الصين في كل شبر من هذا البلد-القارة حيث تحتشد الحشود لا من أجل الصراع والنزاع بل من أجل الحرب ضد الفقر أو بالأحرى إنقاذ آخر من علق بالخصاصة من سكان المناطق القروية والنائية وذلك حتى لا يبقى في الصين الحديثة صيني فقير.
وخلاصة فصول المسلسل أن أبطالها تحدوهم نية قاسمها المشترك جعل القرية التي تدور فيها الأحداث، جعلها “أجمل قرية”، من ناحية توفير موارد العمل وذلك عبر إرساء مشاريع صغيرة ولصيقة تتوافق مع خصوصية ومزايا المنطقة والمؤهلات المتوفرة لدى الأهالي البسطاء مع العمل على مزيد شحذ هممهم العالية ومزيد إذكاء حبهم الوقاد لقريتهم ولبلادهم (مشاريع لتربية النحل والتطريز والحياكة…).
وفي الحقيقة لا ضير من الاطلاع على مثل هذه الأعمال الدرامية التي تحفّز على الاستلهام من تجارب الشعوب والدول التي صنعت المعجزات وارتقت رغم المعضلات، هذا الاطلاع الذي يمكن الآخر من الوقوف شاهد عيان على أن شعوب الأمة الصينية بتنوعها، في القرى والأرياف كما في الحواضر والمدن، لم يمنعها مانع ولم تعزها قدرة على مقارعة المستحيل والاطاحة بهذا المستحيل جانبا حيث نجحت في رفع حجرة سيزيف إلى أعلى قمم الجبال.
يقول أحد الحكماء الآسيويين بما معناه “أكتب رواية كتابك الخاصة ثم ضعها في قمة الجبل..
في نهاية المطاف تخرج من زيارتك لقرية من هذه “القرى النموذجية” مبهورا، مندهشا بالمستوى الذي بلغته القرى والأرياف في الصين، هذه الدولة القارة التي ما زال مسؤولوها يجيبونك بتواضعهم أنّهم مازالوا رغم كل ما أحرزوه واكتسبوه وراكموه، مازالوا في حضيرة بلدان العالم النامي، وأنّ كثيرا من العمل والمجهود والتضحيات ما زالت تنتظرهم من أجل ولوج ربقة أقطار العالم المتحضّر، هكذا يقول الصينيون “صدّق أنت أو لا تصدّق”. ولعلّ الزائر بارتياده “مشروع القرن” بـ “بحيرة تايهو” سيندهش أكثر.
(قيس العرقوبي)
