عالم الاجتماع إدغار موران Edgar Morin، هذا المفكر والفيلسوف العالمي حتى لا نختزل إنجازات الرجل الأكاديمية والعلمية في جنسيته (فرنسية) لأنه في فكره وقناعاته تخطى كثيرا هذا التخندق وانعتق من كل دوائر التصنيف الضيقة ليعانق الإنسانية في قضاياها الجوهرية، إدغار احتفى البارحة، وهو بين البشر الأحياء، بعيد ميلاده ال 104، أطال الله في أعمارنا جميعا بكل خير. شاخ المفكر موران وبلغ من العمر عتيا لكنه لا يزال محافظا على “ربيع الفكر”، ينظر إلى ما يحصل حوله من حروب وأزمات بشرية واجتماعية وسياسية، ويمعن في تحليلها والتأمل فيها ساعياً إلى قراءة أحوال العالم، انطلاقاً من نظرياته والمفاهيم التي أرساها على مرتكز كوني وذات بعد إنساني عميق.
وقد طالعت للرجل نزر من زخم منشوراته خصوصا التي ضمّنها تشخيصه لما جرى في العالم من أحداث وحيثيات ومتغيرات منذ الحرب العالمية الأولى ثم الثانية إلى حروب التحرير والاستقلال التي عاشتها تحديدا شعوب إفريقيا وآسيا المستعمرة، مرورا باستقلال هذه المستعمرات وتجارب الحكم التي شهدتها وصولا إلى الحرب الباردة ثم بعد ذلك الصراعات بين “الإخوة الأعداء” كما وصفهم ادغار موران داخل الدول التي استقلت.
كما تطرق موران إلى تداعيات الحروب لا سيما حرب الخليج والحرب في أفغانستان وانتهى في تشخيصه إلى ابراز التأثير الذي لعبته سياسة “العولمة” التي برهن موران على أنها فرضت من القوى الغربية أساسا وقال إن هذه العولمة ومرادفاتها على غرار مصطلح “الكونية” هي من ساهمت في تدمير وحدة البلدان الضعيفة، ومنها دول عربية وافريقية عديدة وهي التي شتت الشعوب بدل تكريس لحمتها وتقاربها.
يقول موران في حوار أدلى به إلى مجلة La Revue في عددها 93 لشهري ماي-جوان 2021:
– “الحروب الثقافية والايديولوجية باتت أشد فتكا وبطش وتدمير من حروب الدبابات والصواريخ والطائرات“.
-“نعيش اليوم تطوٌرا معرفي وعلمي وتكنولوجي، نعيش ذلك من حيث الكمٌ والجودة لكن يوازي ذلك انحدار قيمي و”ايتيقي” (من ناحية الاخلاقيات) ، نعيش انحدارا كبيرا في هذا النطاق“.
-” صنٌاع السياسة في العالم الجديد صاروا يعملون ألف حساب للشكل والتسويق الدعائي ولا يعملون أي حساب للمضامين الجوهرية والأهداف الشاملة والانسانية، السبب هو أنه لم يعد يعنيهم المضمون والجوهر والانسان بقدر ما تعنيهم المصلحة وكل ما هو هيمنة ربحية ومادية “.
– “المخاطر الجديدة هي تلك المقترنة بتعاظم العولمة التقنية – الاقتصادية، وهيمنة نزعة التربّح على العالم بأكمله، وأزمة الديمقراطيات العالمية، والتغوّل النيوليبرالي، ومعضلات المخاطر الوجودية المتصلة بتخليق أنماط جديدة من التقنيات. يدعو موران إلى نمط من الإنسية الجديدة كترياق ممكن لهذه المعضلات“.
ومن الشعارات الكبرى التي يحملها ادغار موران من ناحية الاعتقاد والمبدئية ومن جهة تفكيره الفلسفي هو مقولة ما ينفك يرددها في كل حواراته وتدخلاته وكذا في أغلب كتاباته وابحاثه وهو الشعار القائل: “حوادث العالم تؤكد أنه لا يوجد مستحيل وكل ما لا يتوقٌع يمكن أن يحصل وقد حدث المستحيل، وحدث الاحتمال، وحدث المحظور، لا شيء مستبعد في كون انساني ينزع جلده كل ما دفعت المسببات لذلك، فقط ما لا يتبدٌل هو القيم المبدئية وأرى هنا أن الشجاعة كل الشجاعة في أن نصمد أمام كل محاولة لخيانة أفكارنا..”
بالمحصٌلة، مثل هذا الكائن البشري هو فعلا وبالضرورة من يصح أن يطلق عليه مفكر وناشط كوني لتكري قيم الإنسانية لأن يهوديته (ديانته) التي لا يكشف عنها لا في ظهوره الإعلامي ولا إظهارها ف كتاباته لمة تمنعه ليكون في الصفوف الأولى للمدافعين عن قضايا الانسان الجوهرية وفي صدارتها قضية الشعب الفلسطيني وقضايا العدوان على الشعوب بداعي الوصاية أو من نطلق القوة، إذ يرفض الرجل ذلك جملة وتفصيلا..
(قيس العرقوبي)
