“المراجعات” أو بنفس الصيغة والعبارة التي لا تحيد في معناها عن مرادف “الإصلاح”، أي تجسيم كل ما هو نفع وصلاح وفلاح لهذا البلد وأهله، الموضوع كان بديهيا ودوما على رأس أولات ولسان الرئيس الذي طلب مجددا بالسير في هذا الطريق الذي دونه سيظل بين التونسيين وصلاح الأحوال وتغييرها كما بين البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان، الجديد في هذا المرة أن هناك إصرار رئاسي جليّ على تعجيل الخطو في هذا الإتجاه الذي تتغير معه الأوضاع، وكأن هذه “المراجعات” المرجوة يجب أن تتم فورا ووفق المعايير المستوجبة وخصوصا أن تقطع مع ساد من نمط التغيير الذي ساد والذي كان عنوانه الدائم المتكرر”تغيير لتظل الحال على وتيرتها”.
ولقد أثارت “المراجعات” التي طلبها رئيس الجمهورية هذه المرة دون سالف المرات، أثارت حفيظة الإطلاع عند المتابعين وكذلك عموم المواطنين موازاة مع ارتفاع منسوب الإستفسار والتساؤلات إن على منصات التواصل الاجتماعي وكذلك في منابر الإعلام الوطني ومساحاته، الإستفسار والتساؤلات حول ما يعنيه رئيس الدولة بمسألة المراجعات في صلة بطبعتها وجوهر أهدافها.
ولعل ما ينكشف شاخصا للعيان أن رئيس الجمهورية يلحّ ويصرّ على مسألة “المراجعات” أنه يريد تغييرا جذرا يشمل مسارين لا غنى لأحدهما عن الآخر في ضرورة إنفاذ هذا التغيير، حيث “المسار الأول” له علاقة بالإصلاحات التي تنبني عليها رؤية تونس ما بعد تدابير 25 جويلية 2021 وأساسا “القاعدة الثلاثية” العامة المرتكزة على “الثورات الثلاث: تشريعة وإدارية وإجتماعية” فيما “المسار الثاني” يخص رأسا مسألة “صلاح المسؤولين”، أي أهليتهم الشاملة حتى تستقيم الأمور ويصلح حال البلاد، وهو عين الصواب في هذه “المراجعات”، المطلوبة المنتهجة رئاسيا والمنشودة شعبيا”.
وقد أشار الرئيس ولفت أكثر من مرة بالصريح الجهري المعلن الفصيح وأحيانا أخرى بالإيحاء والتضمين والتلميح إلى ظاهرة التجاوزات والانحرافات والتعطيل الذي يندّ عن عديد المسؤولين، هذه الظواهر المذمومة المنبوذة التي استشرت في أوساط المسؤولين في مؤسسات الدولة طيلة عقود وبالأخص بعد الثورة نخرت المؤسسات وأضرتها وأضرّت بمن فيها وسبّب ضررا فادحا بمقدّرات الدولة، وأدت تجاوزات هؤلاء المسؤولين وانحرافاتهم وسوء تصرّفاتهم، أدت إلى إهدار المال العام وإضعاف هذه المؤسسات ودفعها إلى حافة الإفلاس.
وهنا نستدل بأحد المضامين التي ندت على لسان الرئيس في لقاء من لقاءاته بمسؤول الدولة، من ذلك قوله: “خير المسؤولين هو من آثر الوطن وسيادته وتعفّف وذلّل كلّ الصّعاب، والجواب لن يكون خطابًا أو بلاغًا بل الجواب سيكون صدى في الواقع لتحقيق أهداف الثّورة في “الشّغل والحريّة والكرامة الوطنيّة.“
هذه نوايا وطلبات ومرامي الرئيس أما الإناء الواقعي فيستوجب الأمر التوقف عنده طويلا لفك شيفرته إذا علمنا ان العدد من هؤلاء المسؤولين اما قد تقلدوا مهامهم وتم تعيينهم منذ سنوات مديدة وبالتالي يجترون انفسهم وما مضى وليس لديهم ما يضيفون ولا حتى يستطيعون تحقيق استمرارية مرافق وهياكل ومؤسسات تفترض كفاءات تحتكم الى مهارات عالية وخاصة تساير متغيرات الشأن العام أما البقية من هؤلاء ففي غير مواضعهم من حيث الاستطاعة والخبرة والدراية وحسن التصرف والحوكمة والمبادرة وما الى ذلك من المتطلبات الابجدية والمعيارية.. العطل الحاصل والمطبات أمام الانجاز راجعة بالأساس الى ما تقدم ذكره، والحل واضح وضوح الشمس، الحل في توخي طريق الإصلاح و”المراجعات” ذلك فحسب ما يمكّن من التقويم والتصحيح والاصلاح والتقدم بتونس وتحقيق مطالب شعبها.
(قيس العرقوبي)
