انصرفت الأيام الأولى من عمر الدورة التدريبية في لمح البرق لنجد أنفسنا قد استيقظنا صباحا، وقد كان في البرنامج يومها أن نطرق بابوكالة “شينخوا” التي بلغنا مقرها بعد مسافة تتراوح بين الساعة ونصفها انطلاقا من أمام فندق “يولونغ” الذي نزلنا به، فلم أكن حينها منتبها جيدا للوق وقد أخذتني حاضرة بكين بخصوصياتها المتفردة، لم أنتبه إلا بعد أن أوقف السائق، الكهل الطيب السمين الضحوك الذي تميل بشرته قليلا الى اللون القمحي الذي عرفنا بعد ذلك أنه يميّز أهل الأرياف في الصين وتحديدا أقاليم الشمال، والذي تقطنه قومية “خوي” المسلمة، أوقف “الباص” أمام البوابة الحديدية الضخمة التي تظهر للداخلين تفاصيل المعمار العظيم لمقرّ الوكالة وتظهر لمن في الداخل كل تفاصيل الطريق في الخارج.
وقد كان المقرّ عبارة عن بناء كبير مركّب من ناطحة سحاب متقنة الديكور المعماري الممزوج بين الرخام والزجاج الفاخرين واللامعين بشدّة، وهو أمر طبيعي إذا كنا عاينّا للتو تلك النظافة واللمعان التي عليها الطرقات فما بالنا بواجهة البنايات الرسمية تعدّ مرآة الدولة في بلد كالصين.
نزل مرافق لنا مع أحد المترجمين حيث تحدّث الى أحد رجال الحراسة بعد تمت الإشارة الى بقية حراس البوابة بفتحها، وفسح المجال لدخول “الباص”، ولم نكن نعرف إن كان هؤلاء الحراس الذين كانوا شاكيي السلاح، إن كانوا من الشرطة أم من الحرس أم من العسكر، لانّ العلامات والشارات المثبتة في بزات الحراس كانت مختومة باللغة الصينية. وطبعا كم كنا نود لو كنا نتقن الصينية أو “الموندارين” أو حتى حرف من هذه الجروف الجذرية التي نراها ونتمعّن فيها ولا فصل بيننا وبين فهمها إلا أن نجلس لتعلّمها.
وفي البطحاء الرحبة الممتلئة نزلنا الواحد تلو الآخر، وكان عند آخر درجة من درجات باب النزول من “الباص” كهل يظهر انّه في منتصف الأربعينات، فيما بان على الشاب والشابة أنهما بلغا عتبة الثلاثين للتوّ، وكان الثلاثة يتحدّثون العربيّة بطلاقة، تبادلنا جميعا التحية والمصافحة، وتقدّمنا الكهل مرحبا بنا إلى حيث لا ندري داخل مقر “شينخوا” المركزي.
رافقنا الثالوث بواسطة مصعد واسع ومعطّر ينفذ عبق عطره إلى الأنوف فيعطي انطباعا بالانشراح من رائحته الشذية، ثم مشينا مسافة أمتار بين الأروقة لنكون على موعد مع أقسام بأحجام متوسطة نسبيا حيث اخترقت انتظارنا المربعات البلورية التي تحوز جزء من جدران المكان ليمثل أمامنا عشرات الصينيين غالبيتهم من الشباب والكهول الذين يظهر من ملامحهم أنهم تجاوزوا للتو عمر الشباب.
كان القوم قد انهمكوا أمام حواسيبهم لم يشغلهم دخولنا ولم تثرهم الجلبة التي أحدثناها بدخولنا إلى الفضاء، وكان الجميع لاه كلّ في أنيط بعهدته من أعمال، وبالطبع لا تخرج عن دائرة الأعمال التي يكلّف بها الصحفيون في وكالة للأنباء، وكنّا نلاحظ ظاهرة التغافل عن العالم الخارجي من قبل الصينيين في أعمالهم المختلفة إلاّ في المجالات التي تستدعي تواصلا مباشرا مع الآخر في الإدارة أو التجارة أو غيرها.
قادنا الثالوث تحت إشراف الزميل الكهل الذي قدّم لنا نفسه في بادئ الأمر أنّه نائب مدير قسم أخبار اللغات الأجنبية بوكالة “شينخوا” ورئيس التحرير بالقسم العربي للوكالة، حتّى انتهينا إلى آخر الرواق الذي سرنا فيه ليعرج بنا يمينا حيث واجهتنا بوابة خشبية بمنفذين علويين بلوريين رسمت عليهما رسوم صينية متنوعة، حيث تمّ الإذن لنا بالجلوس على الطاولة ذات الشكل البيضاوي والحجم الشاسع الذي التهم تقريبا القاعة الواسعة بدورها.
رحّب بنا الكهل ورفيقيه الشاب والشابة بلغة عربية امتزجت بخصوصية اللكنة الصينية التي تشتدّ فيها حروف “الشين” و”الخاء” و”الهاء”، ولكنهم كانوا يتحدثونها بانسيابية وقد تضمّنت ألفاظ تعبيرية ومصطلحات رجع بنا أحيانا إلى تلك اللغة القديمة التليدة التي نسجت تاريخنا العربي منذ المعلّقات الشعرية لسوق عكاظ بما ينمّ على دراية باللغة والإلمام بها من قبل الثالوث الممثّل للوكالة في هذه اللغة الصعبة صعبة اللغة الصينية.
التحق بنا صحفيان آخران، شابّة وشابّة، ألقيا علينا تحيّة السلام بالعربية ورحّبا بنا بالعربية أيضا وكانت لغتهما واضحة وصحيحة كعربية الثالوث، دعانا الكهل، رئيس قسم اللغة العربية بالوكالة، والذي ترأس اجتماعنا وألقى كلمة ترحيبية موجزة وعرّف بزملائه ثمّ بمجمل عمل وكالة “شينخوا” في علاقة بوسائل الإعلام الصينية الداخليّة أو في صلة بوسائل الإعلام الأجنبية في الصين من مختلف دول العالم وكذلك في تواصل عبر القنوات الرسمية وما يرتبط بها من وسائل إعلام تمثّل تلك الأقطار في جميع أرجاء المعمورة.
وربّما كان النقاش والإعلام وما يكبر ويصغر فيه هو الحوض الذي أحذق الغوص فيه، ودخلت حلبة التداول والنقاش بعد أن فسح رئيس الجلسة المجال للتفاعل والاستفسار من الفريق المكلّف بالإجابة عن كل تساؤلاتنا والمتفاعل مع تفاعلاتنا، ولقد عرفنا أنّ “شينخوا” هي المصدر الأوّل والأساسي الذي تستقى منه الأخبار والمعلومات في الصين، وأنّها أساس ومنبع الخبر الرسمي للدولة الصينيّة على كلّ الأصعدة، وفي مقدمتها الشأن السياسي، ويشمل ذلك خطابات الرئيس تشي جين بينغ، والوزراء ومسؤولي الحزب الشيوعي الحاكم، وكذلك كل المسائل والحراك المتعلّق بالمقاطعات والمحليّات، وطبعا قرارات ومواقف وسياسات الصين الداخلية والخارجية، كلّها تمرّ عبر الوكالة الرسميّة الأمّ “شينخوا”.
وربّما كان منّا من لديه فكرة مسبقة تندرج في إطار الثقافة العامة عن وكالة “شينخوا” التي تعاظمت بشكل جعلها ندّا لأعرق وكالات الأخبار في العالم، من ذلك “رويترز” و”فرانس برس” و”الأسوشيتد برس” وغيرها مما هو معروف ومأثور في مجال الأخبار ونقلها وفي عالم “صحافة الوكالة”، نعم “شينخوا” تجاوزت حدود تركيز مكاتب لها في عواصم بلدان المعمورة، إلى إنشاء مبان عملاقة تتضمّن مئات المكاتب، وإذا أردت المعرفة أكثر ومعاينة الواقع الملموس، فما عليك إلاّ بشدّ الرحال إلى دول الشرق الأوسط وأوروبا وروسيا وجنوب افريقيا وأمريكا اللاتينيّة، سترى شينخوا جاثمة في غير أرضها الواسعة الرحبة.
فاليوم “شينخوا” وبقيّة وسائل الإعلام الصينيّة الالكترونيّة والورقية والإذاعيّة والتلفزيونية كلّها تكتب وتتكلّم بلغات كثيرة، وعلى سبيل الذكر لا الحصر فإنّ إذاعة الصين الدوليّة تؤمّن برامج وخدمات إذاعيّة وإخبارية بما يضاهي 64 لغة بما فيها العربيّة لتبلغ معظمها كلّ شعوب المعمورة، وربّما في هذه الحلقة أطلت نوعا ما في الحديث عن حجم وأثر هذه الوكالة لكن هذه الإطالة ربّما لها ما يبرّرها خاصة إذا نظرنا إلى حجمها من ناحية مواردها البشرية واللوجستية الموظّفة لخدمة هذه النهضة الصينية التي لا تحدّها حدود ولا يعوقها عائق.
وما آثرته من الاجتماع ذاك الكوب السحري من الشاي النباتي الذي أراح صدري قليلا من ضجيج التفاعل والنقاش خاصّة مع الزميلة الصينية الشابة النحيفة ذات العيون الضيقة بنظراتها الجادّة، والتي كانت ضمن الثالوث الذي استقبلنا عند بوابة الدخول إلى مبنى الوكالة، وكان الشاي، قدّ، بأعشاب لها لون ومذاق فريد يشعرك بالانتشاء ويوفّر لعقلك مساحة من الهدوء، شاي للتهدئة لا شاي منبّه كالذي عندنا، نعم شتّان بين ذاك وهذا.
(قيس العرقوبي)
