غير مصنف

لكي لا يكون مجرد ذكرى : ملحمة أحداث ساقية سيدي يوسف







ملحمة أحداث ساقية سيدي يوسف تؤرخ نضال شعبين وملتقى مغاربي يومي 9 و 10 فيفري المقبل


بقلم آمنة حفظ الله
إنّ المتأمّل في العلاقات بين تونس والجزائر يلاحظ كونها علاقات عريقة وضاربة في القدم بحكم التاريخ المشترك والموروث الحضاري والثقافي للشعبين الشقيقين… ورغم بعض الأزمات الظرفيّة العابرة فقد تميّزت هذه العلاقات على العموم بالاستقرار والتعاون المتواصل بين البلدين الجارَيْنِ بحكم رغبة الشعبَيْنِ في العيش معا في أمن واستقرار وتطلّعهما لوضع ومستقبل أفضل. 
وقد توطّدت هذه العلاقات خلال الفترة والمعاصرة بظاهرتين رئيسيتين، أولها ثقافية بتحوّل الآلاف من الطلبة الجزائريّين إلى تونس العاصمة طلبا للعلم بجامع الزيتونة المعمور وثانيها سياسية – عسكرية واجتماعية تمثلت في مساندة التونسيين للثورة الجزائرية.
تضامن تونسي جزائري
فعلى إثر اندلاع شرارة ثورة التحرير الجزائرية في 01 نوفمبر 1954 وأمام المراقبة المشدّدة التي فرضتها الآلة العسكرية الفرنسيّة على مقاومي جبهة التحرير الجزائرية فوق التراب الجزائري، اتخذت قيادة جبهة التحرير من تونس – لا سيّما بعد استقلالها في سنة 1956 –  قاعدة لها واستقر آلاف المجاهدين بعائلاتهم ومعداتهم بمختلف الأرياف والقرى والمدن التونسية. 
وكردّة فعل على هذه المساعدة لم يتردّد قادة الجيش الفرنسي في اختراق السيادة الترابية لبلد مستقلّ وعضو بجمعية الأمم المتحدة للقيام بتوجيه ضربات عسكرية موجعة في التراب التونسي بدعوى “حقّ التتبّع” Le droit de poursuite” للمقاومين الجزائريّين، استشهد فيها ودون تمييز، الجزائريون والتونسيّون على حد سواء في أكثر من مرّة، كان أبرزها وأكثرها وحشيّة، الاعتداء الجويّ الغاشم على قرية ساقية سيدي يوسف الآمنة يوم 08 فيفري 1958.
ففي صباح يوم 08 فيفري 1958 وبدعوى “حقّ التبّع”، تعرّضت قرية سيدي يوسف الآمنة إلى قصف  مكثّف من الطيران الحربي الفرنسي، وذلك انتقاما من الدعم الذي كانت تقدّمه تونس آنذاك – حكومة وشعبا – للشعب الجزائري من أجل إنجاح ثورته وانتزاع استقلاله وذلك بإيواء آلاف المجاهدين الجزائريّين وقياداتهم، في العاصمة وسائر المدن والقرى التونسية وتسهيل مرور السلاح والذخيرة إليهم فوق التراب الجزائري. 
وبما أنّ العدوان العسكري الوحشي على هذه القرية الصغيرة حصل يوم سوق أسبوعية، فقد كانت حصيلته ثقيلة باستشهاد 79 مواطن جزائري وتونسي (منهم 20 طفلا و 11 امرأة)  وسقوط 130 جريح، فضلا عن تحطيم عديد المساكن والمنشآت والمعدّات ومقرّ منظمتي الصليب الأحمر الدولي و الهلال الأحمر الجزائري (غير المعترف به)، الذي كان يؤمّن توزيع المساعدات على اللاجئين الجزائريّين. 
لقد عبّر اختلاط دماء التونسيّين بدماء أشقّائهم الجزائريّين بساقية سيدي يوسف مرّة أخرى عن عمق التضامن بين الشعبين التونسي والجزائري ومثّل صفحة من صفحات البطولة والنضال المشتركَيْنٍ ضد الاستعمار الفرنسي، التي راح ضحيّتها عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى منذ احتلال البلدين تباعا في سنتي 1830 و 1881. 
قطعا مع الماضي
وتبعا لذلك فقد دابت تونس على إحياء أحداث الساقية كفرصة لتذكّر تضحيات الشهداء الأبرار واستحضار لما أظهره أجدادنا وآبائنا من شجاعة في النضال من أجل انتزاع الحرّية والكرامة والانعتاق من المستعمر الفرنسي الغاشم.
وعلى عكس ما كانت تخطّط له الإدارة الاستعمارية، فقد قرّبت مجزرة ساقية سيدي يوسف بين القيادات السياسية المغاربية (الحزب الدستوري التونسي و جبهة التحرير الوطني الجزائرية وحزب الاستقلال المغربي…) ومهّدت لانعقاد مؤتمر طنجة (بين 27 و 30 أفريل 1958)، الذي كان بمثابة “شهادة ميلاد” اتحاد المغرب العربي لاحقا، و جسّم تطلّعات الشعب المغاربي نحو الوحدة وعجّل بالإطاحة بالحكومة الفرنسية الرابعة في 13 ماي 1958 والإعلان عن الحكومة الجزائرية المؤقتة بالقاهرة في 19 سبتمبر 1958. 
وبقدر ما أصبح يكتسيه إحياء الذكرى الثامنة والخمسين لساقية سيدي يوسف من طابع خاصّ ومميّز منذ 14 جانفي 2011، بحكم القطع مع الطابع “البروتكولي” الاستعراضي التي كانت تشهدها الاحتفالات بهذا الحدث أو نتيجة للتحوّلات والأحداث والظواهر الخطيرة التي تعيش على وقعها عديد الدول العربية كالإرهاب والتطرف والانفلات الأمني والتهريب… فإنّها تطرح أكثر من أيّ وقت مضى على حكومتي البلدين الجارين، بذل مزيد الجهود في أكثر من ميدان بهدف تحقيق طموحات الشعبين التونسي والجزائري في العيش الكريم والأمن والرخاء الاقتصادي والرّفاه الاجتماعي. 
كما ستظلّ ذكرى العدوان على الساقية في 08 فيفري من كل سنة حدثا تاريخيا فارقا تقتدى به الأجيال القادمة و مناسبة لمزيد ترسيخ قيم الذود عن الوطن والولاء التامّ له، وخاصّة مواصلة العمل المشترك ومدّ جسور التقارب بين الشعبين قصد تحقيق التكامل الحقيقي و توثيق عرى المحبّة و الإخاء والتعاون المشترك  في جميع المجالات لكسب رهانات المستقبل معا .
ولتحقيق جميع الاهداف المذكورة فان احياء ذكرى احداث ساقية سيدي يوسف يجب ان تتعدى صورتها النمطية المجسدة عادة في تمجيد ماضي علاقات البلدين، وتمر الى استشراف المستقبل ومحاولة تقديم مبادرات قابلة للتنفيذ تساهم في دعم التعاون المشترك والدائم بينهما كبعث مشاريع تنموية مشتركة بالمناطق الحدودية تساهم في النهوض بمستوى عيش سكان تلك الجهات وتغيير الواقع والمحيط الذي انتفع منه الارهابيون للظهور والانتشار.
ملتقى مغاربي
و في هذا الاطار فقد نظمت جمعية البحوث والدراسات لاتحاد المغرب  برئاسة الدكتور منصف وناس ملتقى مغاربي تحت عنوان ” أحداث ساقية سيدي يوسف محطّة فارقة في النضال والتضامن التونسي- الجزائري المشترك :العلاقات التونسيّة-الجزائرية بين ثوابت الماضي ورهانات المستقبل”  وذلك بمناسبة  احياء الذكرى الثامنة و الخمسين لأحداث ساقية سيدي يوسف والذي سينطلق يوم 9  فيفري المقبل ويختتم بتاريخ 10 فيفري 2016. 

0
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى غير قابل للنسخ.
إغلاق