وزر ثقيل تجشمت تونس عناء حمله في غمار السنوات الأخيرة بتواجد المهاجرين الأفارقة على أراضيها، إذ لا ينكر عاقل أن التونسيين تعاملوا بأسلوب إنساني راق ومتحضر مع الوافدين عليهم، دون استئذان، رغم أن الظرف الذي باغتوا فيه أهل البلد، على حين غرة وبشكل مستراب، لم يكن مواتيا بالمرة.
وفي مقام مهمّ وموضوع حساس متشعّب المدلولات والارتدادات، لا يمكن طرقه إلا بالعودة إلى موقف تونس الرسمي، وهو الذي ورد على لسان رئيس الجمهورية قيس سعيّد، ذلك خلال زيارة له إلى منطقة الجبلي بصفاقس بتاريخ 10 جوان 2023، إذ قال الرئيس الرئيس، بالحرف الواحد، وهو يتوسٌط تجمعا لمهاجرين من الأفارقة المتواجدين بالتراب التونسي دون وثائق قانونية: “حل وضعية المهاجرين لا يجب أن يكون على حساب تونس بل يجب أن يكون انسانيا وجماعيا وقانونيا”.
زيارة الرئيس وخطابه حيال استشراء ظاهرة المهاجرين الأفارقة ومسألة تواجدهم على الأراضي التونسية، كلاهما يترجم (أي الخطاب والزيارة) أن تونس تتعامل مع الحقائق والوقائع على الأرض وقد بادرت، من خلال زيارة رئيسها، بما لم يبادر به أي مسؤول آخر تعنيه ظاهرة الهجرة السرية ولا يطرف له جنفه جراء وزرها الثقيل وذلك على خلاف أطراف ترفع شعار “حقوق الانسان الكونية” وترفع لواء الحريات لكنها تترك آلاف مؤلفة من البشر ومنهم الأطفال والنساء يموتون غرقا في عرض البحر وأحيانا قاب قوسين أو أدنى من شواطئهم دون أن يحركوا ساكنا لتقديم أي شكل من أشكال المساعدة لإنقاذهم وهم الذين لديهم كل الإمكانيات المادية واللوجستية والبشرية.
ويشار إلى أن سعيّد، خلال اجتماع، تخلله زيارته تلك، بمقر ولاية صفاقس بعدد من المسؤولين الجهويين، على أنه “لن يقبل بأن يعامل أي مهاجر في تونس معاملة غير إنسانية، معتبرا أن المهاجرين هم ضحايا نظام عالمي لا يتم التعامل معهم كذوات بشرية ولكن كأرقام فحسب وهم ضحايا الفقر والحروب الأهلية وغياب الدولة“.
لذلك لو عدنا إلى فحوى كلام الرئيس، في تلكم الزيارة، سنجده يكرر وصفه المهاجرين الأفارقة بـ “الضحايا”، وهو الوصف الذي أورده عندما تحدث عن عملية إجلاء المهاجرين حيث شدد الرئيس على أنه تم التعامل مع “هؤلاء الضحايا” وفقا لقيمنا الأخلاقية والإنسانية والعمل جارٍ لإجلائهم بناء على اختياراتنا”، لافتا إلى أن عملية الإجلاء “تمت بطريقة لم تحصل في أي دولة دون إطلاق أي طلقة أو استعمال للغاز المشل للحركة وجرت بحضور الأهالي والحماية المدنية والهلال الأحمر التونسي والكشافة التونسية.”
كلام الرئيس عن التصرف تجاه المهاجرين الأفارقة “وفقا لقيمنا الأخلاقية والإنسانية” أمر معلوم ودارج عن عموم التونسيين فتونس والتونسيون لم يكونوا يوما من الذين تبنوا سياسات ولا توجهات عنصرية لا ضد أصحاب البشرة السوداء ولا ضد بقية الاعراق والاثنيات ومنهم المواطنون اليهود في تونس، أي أن الزج ببلادنا في معركة وهمية واتهامها واتهامنا بالعنصرية والتمييز والتفرقة، أي كانت الدوافع والنوازع هو ضرب من المزايدة والتشويه لا غير.
وهنا يمكن تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الاسود عن تعامل تونس مع هذه الظاهرة، يمكن تبيّن أن ما يروّج إنما غرضه التشويه ونشر الترهات والأكاذيب التي لا صلة لها بحقيقة الواقع المعاش، لذلك لا يختلف عاقلان على أن كل تجييش وحشد لإلصاق تهمة العنصرية بتونس وشعبها إنما هي بضاعة كاسدة وحيلة ماكرة لا يمكن استساغتها ولن تنطلي على أحد ولن تؤثر في العلاقات التاريخيّة والإنسانيّة العريقة التليدة التي نسجتها في كنف الإحترام بالبلدان الإفريقيّة، الشقيقة منها والصديقة.
(قيس العرقوبي)
