حجم عمليات الغش المرصودة في اختبارات مناظرة وطنية مفصلية هي “الباكالوريا” بشتى شعبها، تكشف بما يدع مجالا للدحض بأن التعليم برمته في تونس أمسى منهكا ومثقلا بالتراكمات التي صارت تجذب للخلف بدل تحقيق ماهو مطلوب من نجاعة وتقدم، فالسواد الاعظم من التلاميذ والطلبة الذين لا يجدون أنفسهم في هذه المنظومة لم يعد يضيرهم ان يتركوا جانبا التحصيل الحقيقي والحرص على الفهم والاستيعاب والاجتهاد، لم يعد يضيرهم ترك واجبهم والركض نحو كل غش من اجل اجتياز عقبة هذه الباكالوريا التي تحولت عندهم من اختبار يمتحنون فيه مهاراتهم على اكتساب المعارف وقدرتهم على توظيفها التوظيف الأمثل الذي يؤهلهم إلى الارتقاء إلى مستوى أعلى يتدرجون فيه من مرتبة تلو أخرى تخول لهم بدورهم أن يكونوا من مرتكزات ودعائم بلادهم، كل من منطلق طاقته وتخصصه.
فلا يمكننا في هذا المقام الاقتصار على تفشي ظاهرة الغش والتوقف عندها لأن هذه الظاهرة المنكورة ليست مستقلة او معزولة بذاتها ولكنها الشجرة الملعونة التي تخفي غابة من الأشجار مثيلاتها تتحد جميعها لتتجمع على منظومة تربوية لم تعد صالحة لا لا من حيث فاعلية البرامج المتبعة ولا من ناحية مستوى التحصيل في صلة بالنتائج العلمية، هذه المنظومة هي في حقيقة الواقع سبب معاناة التلاميذ والطلبة واولياىهم أيضا خاصة وأن أغلب الشعب لا آفاق لها في سوق الشغل.
*ارادة عليا للإصلاح متوفرة: (اجتماع رئيس الدولة بوزيري التربية والتعليم العالي والبحث العلمي بمعية وزيري التشغيل والتكوين تكنولوجيات الاتصال بتاريخ 11 ماي 2026):
إذا عدنا إلى اجتماع رئيس الدولة بوزيري التربية والتعليم العالي والبحث العلمي بمعية وزيري التشغيل والتكوين تكنولوجيات الاتصال، ذلك قبيل انطلاق الامتحانات الوطنية لاختتام هذه السنة الدراسية والجامعية، إذا عدنا إلى هذا الاجتماع نجد ان هنالك حرص واضح من القيادة العليا للدولة وإيلاء للأهمية اللازمة لمجال التعليم بشموليته، وما ورد في الاجتماع لاسيما بالرجوع إلى خطاب الرئيس نجد ان هنالك وضع للإصبع على موطن الداء في بلادنا اليوم التي يشهد فيها نظام التعليمي، في جوهره وتمفصلاته ومختلف تفريعاته، يشهد خواء وتشتت وفقدان الرؤية والنجاعة مع غياب الاستشراف وضياع البوصلة، أي ان حرص اعلى هرم الدولة على تصحيح الانحرافات وإصلاح ما اعوج مطلوب وينتظره الاولياء وأهل التربية والتعليم انفسهم، ينتظرون منذ زمن وضع النقاط على حروفها من خلال إلغاء المنظومة التربوية والتعليمية المسقطة التي زادت الطين بلة وعصفت بقطاع حيوي حساس وجعلت آلاف مؤلفة من الأجيال الجديدة من التلاميذ والطلبة في مهب الريح.
ولعل تونس كانت مضرب الأمثال في علاقة بالتعليم وادراك الاهمية التي يحوزها في بناء الدولة والارتقاء بحال الشعب، وقيل الكثير ونقل اكثر عن شخصيات كان لها الدور الكبير والأثر في التعويل على التعليم والمعرفة للنهوض بتونس وشعبها، ولعلي اخص بالذكر هنا الأديب الالمعي والوزير المصلح محمود المسعدي الذي كان بحق شخصية بارزة في تاريخ تونس، خاصة في مجال التعليم اذ لعب دورا محوريا في إصلاح نظام التعليم في تونس خلال فترة توليه وزارة التربية لذا ينظر إليه على أنه الأب الحقيقي للتعليم في تونس، حيث قام بتأسيس نظام تعليمي عصري ومجاني وإجباري، مما أتاح لأبناء الطبقات المتواضعة والمتوسطة فرصة تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.
فإسهامات هذا الرجل في التعليم تذكر فتشكر وقد خلدها التاريخ فهو من أشرف على إصلاح نظام التعليم من الابتدائي إلى العالي، بما في ذلك بناء المدارس والمعاهد والجامعات، وتغيير المناهج والبرامج الدراسية.وهو الذي ساهم في جعل التعليم مجانيًا وإلزاميًا، مما فتح الباب أمام جميع الأطفال للالتحاق بالمدارس، وهو من سعى إلى تطوير التعليم وتحديثه ليتناسب مع متطلبات العصر، من خلال التخلي عن التعليم الزيتوني التقليدي والتوجه نحو التعليم العصري. فالمسعدي لم يكتف بذلك وانما أشرف على تخريج أجيال من المتعلمين الذين ساهموا في قيادة البلاد وتنميتها. كما عمل على توسيع نطاق المدارس لتشمل جميع أنحاء البلاد، ومحاربة الأمية.
وهذا الذي اوردناه عن التعليم واهميته “كالماء والهواء” يطرح مسائل لم يعد بالإمكان اغفالها ولا ارجاء الحديث عنها ولفت النظر والإنتباه اليها، ولعلي انطلق في هذا المضمار من طرح موضوع التعليم في تونس من زاوية ” جدوى السابق وهشاشة الحاضر..ما المطلوب؟!”، هذا الطرح الذي ينطلق من واقع مليء بالاستفهام والتناقضات والنواقص في ما يتعلق بتعليمنا في مختلف مستوياته واختصاصاته، اي نعم فالتعليم في تونس أمسى مثقلا بالتراكمات التي تجذب للخلف بدل تحقيق ماهو مطلوب من نجاعة وتقدم، وتجديد واضافة فالسواد الاعظم من التلاميذ والطلبة لا يجدون أنفسهم في هذه المنظومة لا من حيث فاعلية البرامج المتبعة ولا من ناحية مستوى التحصيل في صلة بالنتائج العلمية، هذه المنظومة هي في حقيقة الواقع سبب معاناة التلاميذ والطلبة واولياىهم أيضا خاصة وأن أغلب الشّعب الجديدة المستحدثة والمتفرعة لا آفاق لها في سوق الشغل.
هذا الامر والوضع والمستوى الذي عليه تعليمنا ومنظومته في شتى المستويات يتناقض بالكلية مع التعليم التونسي خلال 60 سنة مضت حيث كان سدس النمو الاقتصادي في تونس مدفوعًا بما تم إنجازه في حقل التعليم فخلال تلك الفترة كانت تونس تخصص الجزء الأكبر من ميزانيتها ، والذي بلغ الثلث في بعض الأحيان ، للتعليم وتنمية الشباب، حيث كان التعليم اجباري ومجاني للفتيات والفتيان.
فبعد ما كانت تونس تتصدّر الدول العربية في جودة التعليم، اصبح القطاع يعاني من أزمة حادة خلال السنوات الاخيرة في ظل تراجع المنظومة التربوية برمتها سواء على مستوى المناهج أو بسبب النقص في عدد المدرسين، وتراجع مستويات بعضهم،أضف إلى ذلك تدهور البنية التحتية ما جعل البلاد تحتل هذه المراكز وإن كانت في منظور “المتوسْط”
