الكلاب السائبة بين خوف المواطن وقسوة المشهد:
لم يعد مشهد الكلاب السائبة في تونس مجرد ظاهرة تؤرق المواطنين، بل تحوّل في بعض المناطق إلى مشهد يومي تختلط فيه مخاوف الناس بآلام الحيوانات، وتتحول فيه الشوارع إلى فضاء لموت كائنات لا تملك القدرة على الدفاع عن نفسها.
كل يوم، يمر مواطن فيجد كلبًا مصابًا، ينزف، يئن، ويحاول أن يجرّ جسده بعيدًا عن مكان إطلاق النار.
مشهد قاسٍ لا ينتهي بانتهاء الرصاصة، بل يبدأ بعدها، فالحيوان المصاب قد يظل ساعات طويلة يصارع الألم قبل أن يفارق الحياة.
هذه الصور لا ينبغي أن تصبح عادية في مجتمعنا ، فالرحمة لا تتعارض مع حماية المواطن، والأمن لا يحتاج إلى القسوة.
حماية المواطن حق لكن القتل ليس سياسة عمومية:
من حق المواطن أن يعيش في بيئة آمنة، وأن تتحرك الدولة لحمايته من مخاطر الكلاب السائبة، خصوصًا في المناطق التي تمثل فيها هذه الظاهرة تهديدًا حقيقيًا للسلامة العامة لكن معالجة المشكلة تحتاج إلى رؤية أوسع من القنص.
فالرصاصة قد تنهي حياة كلب، لكنها لا تمنع ولادة عشرات الكلاب الأخرى، ولا توقف التخلي عن الحيوانات، ولا تعالج النفايات المنتشرة، ولا تمنع التكاثر العشوائي.
ولهذا فإن الإستمرار في القنص كحل أساسي يعني التعامل مع نتائج الظاهرة بدل معالجة أسبابها ، و المطلوب اليوم هو إيقاف القنص العشوائي وتعويضه بمنظومة وطنية متكاملة، صارمة في حماية المواطن، ورحيمة في التعامل مع الحيوان.
التعقيم البداية الحقيقية للسيطرة على الأعداد:
يجب أن يصبح التعقيم محورًا أساسيًا في أي خطة وطنية ،فحملات التعقيم المنظمة والمستمرة، بالتعاون بين البلديات والمصالح البيطرية والجمعيات المختصة والأطباء البيطريين، يمكن أن تحد تدريجيًا من التكاثر وتمنع تضخم أعداد الكلاب السائبة.
ولا يمكن أن تكون الحملات موسمية أو محدودة جغرافيًا، بل تحتاج إلى برنامج وطني يمتد لسنوات، مع تحديد المناطق ذات الكثافة العالية وإعطائها الأولوية.
التلقيح والمتابعة حماية للإنسان والحيوان:
إلى جانب التعقيم، يجب تكثيف التلقيح والمتابعة البيطرية للكلاب التي يمكن التعامل معها ميدانيًا.
فوجود منظومة صحية بيطرية واضحة يساهم في الحد من المخاطر الصحية، ويجعل التعامل مع الظاهرة أكثر تنظيمًا، بدل ترك الحيوانات تتكاثر وتنتشر دون مراقبة ، كما أن إنشاء قاعدة بيانات محلية للكلاب التي تم تعقيمها وتلقيحها يمكن أن يساعد البلديات على متابعة الوضع وتقييم نتائج التدخلات.
الإيواء والتبني من الشارع إلى حياة أكثر أمانًا:
الحل يحتاج أيضًا إلى تطوير مراكز إيواء تستجيب للمعايير الصحية والبيطرية، مع إعطاء الأولوية للحيوانات المصابة، والكلاب التي يمكن إعادة إدماجها، والحالات التي تشكل خطرًا فعليًا على المواطنين.
ويجب أن يترافق ذلك مع تشجيع التبني المسؤول، وإطلاق حملات توعية وطنية تجعل اقتناء الحيوان مسؤولية طويلة الأمد، لا قرارًا مؤقتًا ينتهي برميه في الشارع.
كما يمكن فتح المجال أمام الشراكة مع الجمعيات والمنظمات المختصة، في إطار واضح يخضع للرقابة والتنسيق مع السلطات المحلية.
النفايات جزء أساسي من المشكلة:
لا يمكن معالجة ظاهرة الكلاب السائبة مع استمرار توفر مصادر غذاء مفتوحة في الشوارع ، فالنفايات المنزلية وبقايا الطعام المكشوفة تشكل عامل جذب رئيسيًا للحيوانات، وتساهم في تجمعها وتكاثرها في مناطق معينة.
لذلك فإن تحسين منظومة رفع الفضلات، وإغلاق الحاويات، ومراقبة النقاط السوداء، وتنظيف المناطق التي تتجمع فيها الكلاب، يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي خطة وطنية و مكافحة الكلاب السائبة تبدأ أيضًا من إدارة النفايات.
مواجهة التخلي عن الحيوانات قبل أن تصبح في الشارع:
من الضروري أيضًا تشديد الرقابة على ظاهرة التخلي عن الحيوانات المنزلية، والتوعية بمسؤولية اقتناء الحيوان، والعمل على تطوير آليات للتبليغ والتدخل.
فالكلب الذي يوجد في الشارع لم يولد بالضرورة ،فيه جزء من الظاهرة يرتبط أيضًا بحيوانات منزلية يتم التخلي عنها، فتجد نفسها فجأة في بيئة لا تعرفها، ثم تتكاثر وتكوّن مجموعات جديدة.
التشريع أولاً: مبادرات تونسية تفتح الطريق لوقف القنص:
لم يعد وقف قنص الكلاب السائبة مجرد مطلب ترفعه جمعيات الرفق بالحيوان أو أصوات متعاطفة مع الحيوانات، بل بدأ يأخذ طريقه إلى النقاش التشريعي والمؤسساتي في تونس.
فقد تقدّم عدد من النواب في 23 جويلية 2024 بمقترح القانون عدد 66 لسنة 2024 المتعلق بحماية الحيوان، وهو مشروع ما يزال معروضًا على مجلس نواب الشعب، بما يؤكد أن معالجة ملف الحيوانات السائبة تحتاج إلى إطار قانوني واضح ومستدام.
وفي أفريل 2026، برزت مبادرة وطنية أخرى حملت اسم «بروتوكول أمان»، تقدم بها النائب بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم عن ولاية بن عروس “مروان زيّان”، وتم إيداعها لدى رئاسة الحكومة ووزارتي الداخلية والفلاحة.
وتقترح المبادرة القطع مع سياسة القنص وتعويضها بمسار علمي وسلمي يقوم على إخلاء المدن من الكلاب السائبة، وإيوائها، وتعقيمها وتلقيحها، ثم اعتماد آلية «التبني الوظيفي» لفائدة الفلاحين، بما يحول جزءًا من المشكلة إلى مورد يمكن الاستفادة منه في حراسة الضيعات.
هذه المبادرات تؤكد أن البديل عن الرصاصة موجود، وأن الحل لا يحتاج إلى مزيد من حملات القنص بقدر ما يحتاج إلى قرار سياسي وتشريعي شجاع.
المطلوب اليوم هو تسريع النظر في المبادرات المطروحة، وتوحيد الجهود حول قانون واضح يضع حدًا للممارسات العشوائية، ويؤسس لمنظومة وطنية للتعقيم والتلقيح والإيواء والتبني، مع ضمان التدخل المهني في الحالات التي تمثل خطرًا حقيقيًا على السلامة العامة.
فالانتقال من القنص إلى القانون ليس انتصارًا للحيوان على حساب المواطن، بل هو انتقال من ردّ الفعل إلى سياسة عمومية مسؤولة، ومن الحلول المؤقتة إلى معالجة جذور الظاهرة. وتونس، بما تملكه من كفاءات بيطرية وإمكانات بلدية ومجتمع مدني نشط، قادرة على بناء نموذج وطني يجعل حماية الإنسان وإحترام الحياة وجهين لسياسة واحدة.
نحو خطة وطنية بدل الحلول الظرفية:
تونس تحتاج إلى خطة وطنية واضحة تشارك فيها الوزارات والهياكل المحلية والمصالح البيطرية والبلديات والجمعيات المختصة.
خطة تقوم على أربعة محاور متوازية: التعقيم، التلقيح، الإيواء والتبني، والسيطرة على مصادر الغذاء والنفايات.
وتحتاج هذه الخطة إلى تمويل واضح، وفرق ميدانية مدربة، وأرقام دقيقة، وتقييم دوري للنتائج، حتى لا تبقى معالجة الظاهرة رهينة الحملات الظرفية.
أما الحالات الخطرة التي تمثل تهديدًا مباشرًا للإنسان، فيجب التعامل معها من خلال تدخلات مهنية ومدروسة وفق الأطر القانونية والصحية، بعيدًا عن العشوائية والمشاهد التي تترك الحيوانات المصابة تنزف في الطرقات.
إلى أصحاب القرار: أوقفوا مشاهد الدم وابدؤوا الحل:
هذه ليست دعوة إلى تجاهل معاناة المواطن، ولا إلى ترك الكلاب السائبة تتجول دون رقابة بل إنها دعوة إلى حل أكثر جدية وفعالية وإنسانية ، فالمواطن يريد الأمان، وهذا حقه والحيوان يحتاج إلى الرحمة، وهذه مسؤولية أخلاقية والدولة مطالبة بأن تجمع بين الأمرين.
لقد حان الوقت لوضع حد لمشهد كلب يحتضر على قارعة الطريق، وسط المارة، غارقًا في دمائه، بينما يواصل الناس طريقهم لأنهم اعتادوا رؤية الألم ، و لا ينبغي أن يصبح الموت مشهدًا يوميًا في شوارع تونس.
ولا ينبغي أن يكون الرصاص هو اللغة الوحيدة التي نتحدث بها مع ظاهرة يمكن معالجتها بالتخطيط والعلم والمسؤولية.
تونس تستحق حلاً لا رصاصة:
في كل كلب يحتضر في الشارع قصة ألم صامتة وفي كل مواطن يخاف من الكلاب السائبة حاجة حقيقية إلى الأمن.
وبين الألم والخوف، لا ينبغي أن نختار أحدهما ونترك الآخر ،فالحل موجود، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية، وقرار عاجل، وخطة وطنية مستدامة.
آن الأوان لأن تتوقف مشاهد الدم في شوارع تونس، وأن تتحول قضية الكلاب السائبة من ملف يُعالج بالرصاص إلى ملف يُعالج بالعلم والتنظيم والمسؤولية.
نادرة الفرشيشي
