كون “الاعلام العمومي” و”الاعلام الخاص” وسائر قطاعات الصحافة بتفريعاتها (الميدان الورقي ومجالي السمعي البصري والاعلام الالكتروني)، كونها مجتمعة ملف له ما له من السعة والأهمية فانه يستوجب أن يفرد باهتمام كبير ومتواصل لاسيما في ارتباط بمتطلبات مسار التصحيح والاصلاح وما يقتضيه من انارة وشرح واشارات وتوضيح وثيقة الصلة بهذا النمط من الاعلام وبمهنييه.
(1) عندما استبعدت الدولة.
(2): الإعلام العمومي: أية إصلاحات ومسؤوليات في مسار تونس الجديد ؟
+ماذا في فحوى اجتماع رئيس الدولة بمديري مؤسسات الاعلام العمومي.
+ هل تم تجسيم ما دعا اليه الرئيس وما ينتظره الرأي العام من قبل مسؤولي هذه المؤسسات؟
• عندما استبعدت الدولة.
في أعقاب الثورة تم ترذيل الصحافة والإعلام، وأكلت المهنة ونواميسها واخلاقياتها يوم أكلت بقية القطاعات والمؤسسات في الدولة وقد سام هذا المجال كل مفلس بعد أن أمسى مرتعا لمن هب ودب خاصة بعد “استبعاد الدولة” تحت مسميات كثيرة وتتلخص جميعها كون تدخل الدولة يعني آليا وضع ليد السلطة على الإعلام، وقد كثرت التأويلات وتباينت المواقف ولكن أثبت الواقع في كل مرة أن السعي إلى جعل الدولة في موقع “المتفرٌج” دمٌر الإعلام وجنى على أهله.
شخصيا، وعلى سجيتي كثيرون، كان رأيي في ما يخص اقتصار قطاع حيوي وحساس على مرسومين (115 و116) أنهما دبرا بليل ولم يشارك في إعدادهما أهل المهنة من الصحفيين والصحفيات لا العاملين منهم بالقطاع العمومي ولا القطاع الخاص، ولقد تم تفويض الأمر لهيئة، تقريبا لا تمثل إلا نفسها ومن شكٌلها.
ولعل ما شهده قطاع الاعلام والصحافة من كوارث ذهب ضحيتها الصحفيون والاعلاميون وتحديدا خرٌيجي معهد الصحافة وعلوم الإخبار الذي ركنوا أو بالأحرى ركنوا على طوار المشهد وفسح المجال ليشطح في التلفزات والإذاعات وفي كل منابر الصحافة والإعلام، يشطح فيها ممثلون ومسرحيون وفنانون وراقصون وكل من لا صلة له بالمجال (مع حفظ المقامات واحترام هذه الاختصاصات ولكن عندما يكون فقط كل في مهنته وموقعه).
ولقد عايشنا منذ 2011 اعتقالات عديدة واعتداءات متعددة واهانات كثيرة لحقت الصحفيين خلال عملهم سواء منه الرأي أو النشر أو المواكبة الميدانية للتظاهرات والاحتجاجات، ولعل ظلم الصحفيين والتعدي عليهم وهضم حقوقهم من جانب مؤجٌريهم صار الخبز اليومي المرّ لأهل المهنة في أغلب وسائل الإعلام الخاصّة بمختلف أصنافها وتفرّعاتها.
ولعل “استعباد تدخل الدولة” أو قل محو دورها في المجال الصحفي والإعلامي رغم أنها المؤجٌر الأول من حيث نسبة التشغيلية للصحفيين والإعلاميين في المؤسسات الإعلامية ذات الصيغة العمومية، هذا الاستبعاد ألغى دور الحماية والدفاع الذي من المفروض أن تكفله الدولة كأساس في الحلقة القطاعية سواء منشغل أو مفاعل أو متفاعل وهو ما جعل الصحفيين خاصة العاملين في مؤسسات الإعلام الخاص، جعلهم ضحايا التعسف بالطرق وأكل الحقوق والتشغيل الهش وكذلك جعلهم ضحايا التوظيف بلغ في كثير من الأحيان إلى الزج بهم في محارق المعارك السياسية والايديولوجية حيث يؤدي بهم الأمر إلى تخطي القوانين عن إدراك أو دونه.
في الواقع، ورغم ما تم بذله طيلة سنوات مديدة من قبل الهياكل الممثّلة للمهنة من نقابات وجمعيّات الا انها لم تكن وحدها على قادرة على فضّ الإشكاليّات والمعضلات التي يواجهها الصحفيّون والاعلاميون ومعهم زملائهم التقنيّون لا سيما المشتغلون عند الخواصّ، حقيقة هذه الهياكل عاجزة بمفردها عن مجاراة وتيرة الكوارث والمصائب التي باتت تنزل، فجأة ودون سابق إنذار، على رؤوس الزملاء والزميلات لتزيد وضعهم المزري بؤسا وقتامة.
ايراد “التشخيص الوضعي” لمجال الصحافة والاعلام في الحقيقة يحيلنا للتاكيد وضرورة التأكيد والتشديد على أضحى لزاما وضرورة قصوى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ضحايا الماسكين برقاب الصحفيين والإعلاميين الى يوم الناس هذا في بعض الوسائل التي باتت مدجنة بل ومحرقة لأبناء القطاع، فما يتعرّض له الصحفيّون والإعلاميّون اليوم في أكثر مواقع العمل هو جريمة في حقّهم المهني والأخلاقي والإنساني، ويحدث معهم ذلك مجّانا وبصفة متواصلة حيث يستغلّ الفاعلون انكفاء الدّولة وتدخّلها المحتشم بسبب الحرب التي فتحت ضدّها من قبل بارونات الفساد الإعلامي الذين جاؤوا بفصول أسموها “مراسيم” أجهزوا بها على الإعلام التونسي وجعلوا من الصحفيين والإعلاميين خرافا لهم يضحّون بها فرادى أو جماعات متى يشاؤون.
إذن، وفي مفترق الطرق هذه التي وضعت فيها المهنة الصحفية وأبنائها وبناتها، حري أن تتم إعادة النظر في اتجاه صياغة التشريعات الكفيلة بوضع النقاط على الحروف وتصحيح الانحرافات السابقة وخاصة تشارك جميع الأطراف ذات الصلة، من الدولة، أي الطرف الحكومي أو من يمثله وسائر الهياكل المهنية وأصحاب المؤسسات الإعلامية.
ولعل المؤكد وما لا يختلفه ازاءه عاقلان ان اهل الاعلام والصحافة ينتظرون انصافهم بتنظيم القطاع اولا والاحاطة بهم والتجاوب مع مشاغلهم وانتظاراتهم وتطلعاتهم.
- الإعلام العمومي: أية إصلاحات ومسؤوليات في مسار تونس الجديد؟
+ *فحوى اجتماع رئيس الدولة بمديري مؤسسات الاعلام العمومي
أشرف رئيس الجمهورية قيس سعيّد عصر يوم أمس الثلاثاء، 11 فيفري 2025، بقصر قرطاج على اجتماع ضمّ كلاّ من الرئيس المدير العام لمؤسسة التلفزة التونسية والرئيسة المديرة العامة لمؤسسة الإذاعة التونسية إضافة إلى الرئيس المدير العام لوكالة تونس إفريقيا للأنباء الرئيس المدير العام لـمؤسسة “سنيب لابراس” والمفوّض بمؤسسة دار الصباح.
وأكّد رئيس الدولة، خلال هذا الاجتماع، على دور الإعلام العمومي في هذه المرحلة بالكلمة الحرّة المُعبّرة عن مشاغل المواطنين، والكلمة لا تكون بالفعل حرّة إلاّ انطلاقا من فكر حرّ يقوم على أفكار جديدة ومفاهيم بدورها جديدة.
كما تعرّض رئيس الجمهورية مطوّلا إلى مسار التحرّر الوطني ودور الإعلام العمومي في هذا المجال، مشيرا إلى أنّ الأمر لا يتعلّق بدعاية لهذه الجهة أو تلك، بل بالوطن والدولة.
وتعرّض رئيس الدولة إلى دور وكالة تونس إفريقيا للأنباء. فهذه المؤسسة العريقة ذات الأرشيف الثريّ يجب أن تستعيد دورها وإشعاعها ووظيفتها التي تمّ إحداثها من أجلها خاصة في ظلّ الإشاعات الزائفة والصفحات المأجورة في الدّاخل والخارج التي لا همّ لها سوى نشر الأكاذيب التي لم يُعد يُصدّقها أحد، وبعضهم في الدّاخل كما في الخارج لا تزال أضغاث أحلامه تهزّه إلى تفتيت الدّولة وتقسيمها.
كما أكّد رئيس الجمهورية على متابعته المستمرّة لعملية إنقاذ صحيفتي “لابراس” و”الصباح”. فهاتان الصحيفتان جزء من تاريخ تونس، وتاريخ وطننا ليس للبيع ولا للإيجار.
وتطرّق رئيس الدولة في هذا الاجتماع أيضا إلى جملة من المواضيع، ومن بينها ضرورة التخلّص من رواسب الماضي ومن بعض المصطلحات البائدة التي انتهت مدّة صلوحيتها ومن يُقلّب أوراق التاريخ إلى الوراء، فالوراء قد ولّى إلى الأبد وانتهى.
++ هل تم تجسيم ما دعا اليه الرئيس وما ينتظره الرأي العام من قبل مسؤولي هذه المؤسسات++
ما نادى به رئيس الجمهورية بخصوص “الإعلام العمومي” وكرره على المسامع في أكثر من مناسبة باستنباط التصورات والحلول الكفيلة بفض الإشكالات وتجديد الرؤى والنهوض بالمهنيين، وفي ارتباط بتحيين الخطاب الإعلامي حتى يواكب متطلبات المرحلة ويتناغم مع أهداف مسار تونس الجديد وبما يترجم تطلعات التونسيين ويستجيب لإنتظاراتهم، ما نادى به الرئيس من تصحيح وإصلاح وتطوير للإعلام العمومي لم يلق إلى التنفيذ والواقع سبيلا رغم أنه تم منح الفرصة والزمن المطلوب للذين تم تقليدهم زمام المسؤولية في المواقع الأولى بمؤسسات الإعلام العمومي على تباين مجالاتها وتفريعاتها.
لا شيء جديد ومازال الإعلام العمومي لم يبارح مكانه وقد أناخ بكلكله منثنيا في مفترق طرق حيث لم يأخذ القطاع وأهله جرعة نفس جديدة لا في ما يشمل الهيكلة ولا في ما يتعلق بالبرمجة والمضامين الصحفية التي ظلت على حالها تجتّر قديمها الذي كلّته وملّته جماهير التونسيين.
ما يطرح التساؤل البديهي القائل: هل قدر تونس أن يبقى إعلامها العمومي كبوة في مضمار تجربتها ويظل حجر عثرة أمام تقدّم خطاها في مضمار التصحيح والإصلاح والإنجاز؟ أم هل أن الأمر ليس قدرا مقدورا وأنه بالإمكان الأخذ بزمام الأمور والقطع مع المشهد المعدم السقيم بإعادة النظر في كل التركة الثقيلة ومراكماتها السلبية ومعالجة بوائقها لاسيما بتبديل البوصلة في شأن إدارة الإعلام العمومي وحوكمته فهي منطلق وأداة لانتشاله وأهله من دوامة الدوران المطلق حول الفراغ.
هناك مسؤولية أخلاقية وبراغماتية وبين كل ذلك هنالك مسؤولية وطنية ملقاة على عواتق كافة الفاعلين في الإعلام العمومي، لاسيما المسؤولين في كل المواقع، لتحريك القطاع الذي ترهّل وكسد وركن إلى السلبية منذ وقت مديد والعمل على تنشيط ميكانيزماته ووضع الآليات الكفيلة بتحسين مردوديته والرفع من جودة محتوياته ليتحوّل إلى “الدينامو” الذي يفترض أن يكون عليه لاسيما في عملية البناء والتشييد التي تم الشروع في نحت مسارها وتخلّف عنها الإعلام العمومي، طوعا أو كرها، هذا الإعلام الذي ذهب ضحية سياسة عوجاء عرجاء تسببت في إصابته بزخم من العواهن والكوابح أثقلت مهمّته وجعلته غير قادر حتى على مسايرة الأحداث وحيثياتها.
من البديهي والمنطقي جدا طرح السؤال الجدلي التالي: أية مسؤولية موكلة إلى الإعلام العمومي للانخراط في مسار التحرر الوطني؟ وأية رؤية يمكن تحويلها من الحبر على الورق إلى الواقع الملموس في ارتباط بالإعلام العمومي وفي علاقة بمهمته في توفير المعلومات الصحيحة الحينية الدقيقة والموضوعية وخصوصا الموثوقة التي تجسّر العلاقة مع الرأي العام التونسي وتفتح آفاق التواصل مع الرأي العام الدولي بعيدا عن النمطية والشعارات التي لا تراعي مصلحة الدولة ولا تتوافق مع الواقع ومقتضياته، ولا تستجيب لإرادة الشعب وتطلعاته.
*إقرار “الإعلام العمومي” أولوية في برامج ومخططات المسار الجديد ليحظى بمتابعة مباشرة من رئيس الجمهورية أو من ينوبه.
ما هو مطلوب أساسا واللحظة:
*إعادة النظر في التعيينات الراهنة على رأس مؤسستي الإذاعة والتلفزة وسائر المؤسسات والهياكل الراجعة إليهما بالنظر.
*فتح المجال أمام المهنيين في نطاق التعيين عبر الملفات والبرامج يتخللها تقديم تصورات وحلول واستراتيجيات لإعادة هيكلة مؤسسات الإعلام العمومي بما يصلحه ويطوّره.
(قيس العرقوبي)
