الأخبار الوطنيةمتفرقات

( قــيس العــرقـوبي): “الصّرّار والنّملة”

Image associée

عندما ننظر إلى
الجيل الحالي من صغارنا وأبنائنا وتبدّل الحال والأحوال بشكل أضحى فيه المراهقون
وكثير من الشباب في عمر الدراسة الثانويّة والجامعيّة  يتكاسلون ويعجزون حتّى عن رفع أياديهم وأصابعهم
لهرش (حكّ) رؤوسهم أو حتّى جلب شربة ماء بمفردهم أو القيام بأبسط الضّرورات في
البيت أمّا خارجه فحدّث ولا حرج، فالأعذار موجودة وعلى طرف اللسان كلّها تصبّ في
خانة “تاعب”، “ما نجّمش”، “خلّي مبعد”، وما عدى ذلك
فنادرا ما تجد ذاك الصبيّ أو الشّاب الذي يستجيب من حينه لنداء والديه أو إلى من
طلب حاجة منه لقضائها من أهل الدار أمّا من الأجوار فتلك معجزة إذا حصل وحدثت
فإنّها تصير حكاية من حكايات المأثور المرحوم عبد العزيز العروي.

خاليا طيلة الصيف
وما جاوره من عطل  وآيّام
“الويكاند” تجد فئة واسعة عريضة من أبنائنا اليوم “نوم إلى
الظهيرة” و”ركشة” إلى حين، طعام ودخان بالمجّان يوفّره الوالدان،
ثمّ جولات وصولات وترويح عن النفس من مغرب الشمس إلى ضياء الفجر، وهكذا دواليك،
يتكلّم الأب أو تخاطب الأمّ فيكون الجواب من جنس الفكر والقناعة بأنّ “النّاس
الكلّ بطّالة”، “إلي خدم مات”، وردود تسمعها فيحضرك الغثيان
وتتأكّد أنّنا نعيش مع كثير من قوم “سيزيف”، لا إرادة ولا عزيمة وكلّ
شيء مستحيل، ولا أمل في الأفق ولو بعد حين.

هذا الكلام يشمل
بالخصوص الشباب من المنتمين للطبقات المتواضعة وشبه المتوسطة اجتماعيّا، من تلك
الفئات التي تزحف زحفا وتجاهد وتكابد أربابها من أجل أن تعيش في هذا البلد عيشا
فيه “شبه كرامة” بالنّظر إلى كمّ الدّيون المتخلّدة بالذمّة وحجم
الضرائب الموظّفة والفاتورات والمخالفات التي تنزل على رؤوسهم بين وقت وآخر مثل ما
تنزل “الطّامة الكبرى” على قوم فعلوا واقترفوا، لكن في واقع الحال عكس
ذلك فالقوم لم تعمل أيديهم ولا أرجلهم.

واقع جدّ مؤسف
لحال كثير من أبناء الذين دفعتهم ظروف كثيرة نسبتها الغالبة لا دخل لهم فيها
وإنّما من مسؤوليّة المجتمع الذي قدّر وتواجدوا فيه، واقع يقطع تماما مع ما كانت
تعيشه شريحة الشباب إلى حدود بداية الألفيّة ( سنة 2000 وما سبقها من أعوام)،
وقتها كان شباب المعاهد وحتّى الكليّات يعيشون بعقليّة “المسؤول”، وكانت
نسبة هامّة من هؤلاء لا يهدأ لهم بال في فصل الصّيف حتّى يندمجوا في شغل موسميّ أو
يجدوا عملا عرضيّا يمضون فيه أشهر العطلة ويفوزون من خلالهم برواتب رمزيّة تخوّل
لهم تحصيل نفقات لوازم الدراسة واقتناء ثياب محترمة وادخار بعض النقود كـ
“مصروف جيب”.

نعم انطلاقا من
شهر جوان تعترضك جحافل وزرافات من شباب المعاهد والجامعات، وهم يهيمون، هنا وهناك،
يطرقون أبواب الرزق في هذا المصنع أو تلك الشركة، وفي حضائر البناء، وفي المزارع،
وحتّى تلاميذ المدارس الذين تجد منهم من يبحث بين محلاّت النجارة والحدادة وغيرها
من الصّنائع المختلفة، يبحث عن شغل يوفّر به مصروفه خلال العطلة وربّما يدّخّر
منه، في الوقت نفسه الذي يضمن لنفسه عملا يشغل فيه نفسه ويتعلّم فيه
“صنعة” مفيدة ويتجنّب ضياع الوقت ومشاكل البيت وقلّة ذات اليد.

بين الأمس القريب
واليوم فرق بل بون شاسع، تماما ذاك الفرق الذي تخبرنا عنه قصّة “الصّرار
والنملة”، وما لها من معان ودلالات.
0
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى غير قابل للنسخ.
إغلاق