في قلب العاصمة تونس، وعلى متن الباخرة ROMANTIKA الراسية بميناء حلق الوادي، نظّمت شركة Digi Booking الجزائرية لقاءً إعلاميًا لتقديم الرحلة السياحية الجديدة التي تربط بين الجزائر وتونس، باعتبارها مشروعًا رائدًا يُفترض أن يعزّز السياحة البينية بين البلدين الشقيقين، ويفتح آفاقًا واعدة للتكامل السياحي المغاربي.
اللقاء، الذي احتضنته قاعة الندوات على متن الباخرة يوم السبت 03 جانفي 2026، جاء محمّلًا بخطاب طموح، وعناوين براقة، ووعود كبيرة لكن الواقع كان أقل إقناعًا، وأكثر إرباكًا.
ندوة محكمة الإخراج عالية السقف:
من حيث الشكل، لا غبار على التنظيم فالندوة كانت مدروسة، منضبطة، ومُدارة باحتراف، وهو ما يُحسب للمكلف بالإعلام السيد “محمد بن إبراهيم”، الذي وفّر إطارًا إعلاميًا راقيًا، واحترم دور الصحافة، وحرص على تقديم المشروع في أفضل صورة ممكنة.
و تم خلال اللقاء استعراض حصيلة الأيام الأولى للرحلة و الترويج لآفاق مستقبلية بالتعاون مع شركة “مدار”
و تقديم المشروع كخطوة نوعية في مسار السياحة البحرية المغاربية ، كما رُوّج لما سُمّي بـ “جولة في قلب الحدث”، يُفترض أن تضع الإعلاميين أمام تجربة خمس نجوم بكل تفاصيلها.
حين ينهار الخطاب أمام المعاينة:
لكن، ما إن غادرنا منصة الخطاب إلى أرض الواقع، حتى بدأت التناقضات بالظهور: الفجوة بين ما قيل وما شوهد كانت واسعة، ومحرجة.
خمس نجوم تبدأ بالنظافة وهي أول الغائبين ، والباخرة ROMANTIKA، المصنفة رسميًا خمس نجوم، فشلت في اجتياز أول اختبار: مرافق تعاني من ضعف واضح في النظافة و آثار صدأ لا يمكن تجاهلها في بيت الراحة و كان المشهد صادما لرؤيتها.
في السياحة، النجوم لا تُعلّق على الأبواب، بل تُلمس في التفاصيل، وأولها النظافة والراحة.
مطبخ دون مستوى التصنيف:
أما الطعام، الذي يُفترض أن يكون أحد أعمدة تجربة الخمس نجوم، فجاء باهتًا، عاديًا، ودون أي قيمة مضافة.
لا جودة تبرر التصنيف، ولا تقديم يرقى للخطاب الترويجي الذي سبق التجربة.
حين يُقدَّم طعام متواضع في مشروع يُسوَّق كفاخر، فإن الرسالة واحدة: التصنيف منفصل عن الواقع.
جولة مبتورة وشفافية انتقائية:
الأكثر إثارة للاستغراب هو أن “جولة في قلب الحدث” لم تكن في قلب أي شيء.
فالزيارة اقتصرت على جزء محدود من الباخرة، بينما حُجبت بقية المرافق بدعوى أنها “محجوزة”.
وهنا يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاوزه: كيف يُطلب من الإعلام نقل تجربة كاملة، بينما يُمنع من معاينتها كاملة؟
حجب المساحات ليس تفصيلاً تنظيميًا، بل مؤشرًا مقلقًا على غياب الشفافية.
مشروع واعد لكن دون جرأة المواجهة:
لا أحد يُنكر أن فكرة الربط البحري السياحي بين الجزائر وتونس فكرة ذكية، ومطلوبة، وقابلة للنجاح ،لكن إن أُديرت بعقلية التجميل بدل المعالجة، فستتحول من فرصة واعدة إلى خيبة متكررة، و المشاريع لا تنجح بالتصريحات ولا بالمآدب، بل بمدى مطابقة الوعود للتجربة الفعلية والسياحة اليوم لا ترحم، والإعلام لم يعد يكتفي بنقل الخطاب، بل يُحاسب الواقع.
الندوة كانت نموذجية في التنظيم أما الباخرة، فكانت نموذجًا لفشل تصنيف خمس نجوم في إثبات نفسه، وإذا كان الرهان هو بناء ثقة المسافر، فالبداية لا تكون بتجميل الصورة، بل بتنظيفها.
لأن السياحة لا تُباع بالشعارات، ولا تُنقذها المجاملات،
والإعلام، مهما كان محترمًا في التنظيم، لن يكون شاهد زور على تجربة لا ترقى لما وُعد به ، والخمس نجوم لا تُعلن بل تُثبت!
نادرة الفرشيشي
