يوم زيارة صرح السور العظيم قدّمنا التوقيت بحوالي ساعة لننطلق من أمام الفندق، كالعادة بـ “الباص” المخصص لنا وتحت قصف ابتسامات الصيني الكهل المكتنز الطيّب، انطلقنا وقد شغّل أحد الزملاء من سلطنة عمان، وكان صاحب نكتة دائمة، شغّل أغاني هاتفه التي ارتفعت فوق الرؤوس وبدا صوت “وردة الجزائرية” منسابا رقراقا إلى الأسماع وهي تشدو رائعتها “معندكش فكرة” (ليس عندك فكرة).
وعلى غير العادة انضمت إلينا صينية في مقتبل العمر لم نعهد أنفسنا التقيناها من قبل وبادلتنا التحية الصباحية على غرار المترجمين والمصوّر الصيني ورفيقته المكلفة بأمور لوجستية والتي كانت مهتمة بانضباط أعضاء الفريق خلال مختلف أعمال الدورة سواء صلب المحاضرة أو خلال الزيارات الميدانية لهذه المؤسسة أو تلك المنشأة، وكان المصور ورفيقته موظفان تابعان لمركز التدريب الخاص بتنظيم الدورات التكوينية للمسؤولين الإعلاميين العرب، والذي مقره المركزي بكين.
ولم نزل بالشحرورة الجزائرية “وردة” تشنّف آذاننا التي صدّعتها أكوام المعلومات أثناء المحاضرات وخلال الزيارات، حتّى فاجأتنا الصينية التي التقيناها أول مرّة للتو حيث وقفت قبالتنا في منتصف مقدمة الحافلة لا يفصلها عن سائق “الباص” سوى سنتيمترات ثم رفعت مصدحا لاسلكي وشرعت في تجديد الترحاب بنا عندها أوقف الزميل من سلطنة عمان لعلعة الأغنية.
خاطبتنا الشابة الصينية بإنجليزية مليحة سليمة وكانت واضحة اللكنة لا تأكل الكلام مثل ما يفعله كثير من المتكلمين بالإنجليزية، ودعتنا إلى مشاركتها الكلام والحوار وذلك بعد أن فتحت باب سؤال واستفسار كل اعضاء فريقنا عن معلومات تخص “سور الصين” من ذلك تاريخ إنشائه وطوله وامتداده على مختلف المقاطعات.
ولم نزل ننازل الصينية المتحدثة ببراعة حتى قيل لنا “انزلوا حللتم اهلا ونزلتم سهلا على عتبات سور الصين العظيم ومن ثمّة إلى قمته الشماء التي تعانق السماء ويراها القمر”، هكذا ختمت المتكلمة الصينية البارعة تفاعلها معنا طيلة الرحلة التي امتدت زهاء ساعة ونصف تقريبا، والتي مرّ زمنها مرور السّحاب.
تجّمعنا عند احدى البوابات الكبرى التي تحملك لصعود مدارج السور الاسمنتية الملساء العظيمة بدورها، وما إن تصعد 10 درجات أو يزيد تبدأ أنفاسك في التبدّل ويتناهى إلى مسامعك لهج وعمق الشهيق والزفير من القوم الصاعدين والنازلين، نساء ورجال وشيبا وشباب ومن كلّ الجنسيات، وما يثير الاستغراب والدهشة هو جحافل المسنين، وتحديد من الصينيين الذي يتجاوزونك بخفة ورشاقة وكأن أرجلهم تلتهم الدرجات المتعبة بل وكأن أجنحة ركّبت في أعلى أكتافهم.
وبشقّ الأنفس، استكملنا الرحلة إلى القمة وسجلنا وقوفنا عند القمة بصور للذكرى وثقنا فيها وقوفنا أو جلوسنا حذو الشاهد الأثري المثبت في أعلى قمة السور ثم قفلنا راجعين إلى السفح بعدها عاودنا التجّمع حسب الوقت المضبوط الذي اتفقنا عليه حيث توجهنا في جولة قصيرة لزيارة بعض المحلات السياحية المنتشرة في بطحاء محاذية لبوابات الدخول صعودا إلى السور عبر أدراجه.
وفينا من اقتنى ما اقتنى من أغراض تذكارية تعرضها هذه المحلات وهي عبارة عن متعلّقات تخص السور من خرائط ورسومات ولوحات وأشياء للزينة تخصّ المنازل والغرف وأخرى يمكن تعليقها على الملابس او وضعها للزينة في وسائل النقل.
ولم يطل بنا المقام في البطحاء ومحلاتها المكتنزة بالبضاعة التقليدية الصينية حيث توجهنا الى مطعم قريب أين كان لنا موعد مع “غداء حلال”، ولقد شاركنا فضاء المطعم العملاق سياح فرق سياحية من باكستان وبنغلاديش وهنود من المسلمين كانوا في رحلة سياحية لزيارة السور.
إثر ذلك عدنا الى الفندق وقد كانت الشمس تقدمت إلى محيط عصرها، وكان علينا أن نعدّ الأدباش ونودعها الحقيبة أو الحقائب المفترض أن نحملها بمعيتنا في الرحلة إلى “شيجيانغ” والتي تستغرق أسبوعا بالرجوع إلى برنامج الدور الذي كان مكثّفا لكن استنادا إليه فإن برنامج في المقاطعة الجديدة سيكون أكثر كثافة وضغطا.
إلى حدود الثامنة مساء كنّا قد أعددنا العدة وجهّزنا رحالنا إلى الوجهة الجديدة في الدورة حيث تركنا ما اشتريناه من أغراض في غرفة من غرف الفندق تم تخصيصها بالكامل لتخزين متاعنا طيلة الاسبوع الذي سنقضيه خارج الفندق وتم اغلاقها من قبل أحد مسؤولي الفندق وقد ترك أم الغرفة أمانة كلّف بالحفاظ عليها الى حين عودتنا.
وفي الصباح الباكر حملنا “الباص” إلى محطة الأرتال ببكين.
