بلغنا محطة الأرتال المركزية في سويداء بكين قبل أن تسبقنا أرقام الساعة الدائرية المثبتة في أعلى الفضاء الفسيح إلى التاسعة، بلغناها بعد مسيرة من المشيء المتأني تارة والمتسارع تارة أخرى، كنا نتخطى بعض الطوابير المديدة التي تشابه في استقامتها وتنظّمها الأرتال المصطفة كأنها لعب يشاهدها الرائي مثلما يشاهد العاب البلايستيشن. لم تكن المحطة تفرق في وسعها أو هندستها وطوابقها المتلاحقة ولا في ابوابها الكثيرة الرئيسية والمتفرعة ولا حتى مدارجها العادية الفخمة أو مصاعدها، لم تكن تفرق عن مطار دولي كبير بل لو لم نكن نسقط في شراك المبالغة لو قلنا انها لا تختلف عن مطار بكين الا قليلا وفي بعض الامور التقنية والهندسية، ربما بناية المحطة من تلك التي تستلزم ساعات طويلة للتجوال في كل ردهاتها وأركانها سأقول إنها “مدينة كاملة”، والسلام.
تقدّم نائب مديرة مركز التكوين والتدريب المتكفّل بحلّنا وترحالنا فأزيحت عنا الحواجز سريعا، كان يتقدّمنا إلى رجال الحراسة المنتشرين في كل مكان حيث يحادثهم سريعا أو يشير إليهم بعلامات باليد كنا نفهم مغزاها بديهيا الأمر الذي يعني أننا من ذوي “الأولوية” حيث تم تبجيلنا في تفتيش الحقائب وتم إعفاؤنا من التفتيش الشخصي الروتيني عبر أجهزة الرقابة الالكترونية المركّزة في بوابات الدخول إلى باحة الانتظار الشاسعة والعملاقة.
انتظرنا زهاء ساعة وهي تقريبا المدة المفترض أو بالأحرى التي يجب وبالضرورة على كل مسافر إلى مختلف المقاطعات أن يتواجد فيها قبل موعد رحلة القطار السريع، وهو ما يشابه الإجراءات والترتيبات المعمول بها في المطارات والتي تتطلب حضور المسافرين على متن الخطوط الجوية قبل إقلاع الطائرة بساعتين أو ثلاث ساعات، هكذا إجراءات السفر بواسطة النقل الحديد في الصين.
وعند حلول موعد انطلاق الرحلة نبهنا المترجمان الى انه علينا الالتحاق بفضاء القطارات وأن رحلتنا ستكون بعد 5 دقائق، وهو ما كان مسجلا على تذاكر الرحلة، داخل الفضاء انتشرت القاطرات والعربات النظيفة بقشرتها الخارجية اللامعة الملساء كأنها أفاع وثعابين ساكنة قد أطلقت أحزمتها للاسترخاء.
وعلى الرصيف اصطف المسافرون صفوفا لا معوجة ولا متداخلة، بل صفوف متراصة مستقيمة متساوية تضبطها خطوط مستقيمة هي بدورها بائنة ومشعة تتبعها أقدام المنتظرين، وتقدمنا نتتبع خطوات المسؤول الذي أخذ بزمام أمورنا، وكان المترجمان ينفذان تعليمات المسؤول بدقة شديدة والتزام منقطع النظير.
صعدنا القطار في الوقت المضبوط وأودعنا أمتعتنا في الأماكن المخصصة لها في الأعلى، فوق رؤوسنا، وليس مبالغة إذا قلت إننا لم نكن في عربة قطار بل نحن في كابينة فخمة في جناح فاخر لطائرة من الطائرات ذات الرفاهة العالية، وقد انطلق القطار إلى وجهته في الزمن المحدد، بدقائقه وثوانيه.
وخلال الرحلة حضر الطعام المعلّب وحضرت راحة الأرواح والأبدان، ولم تزغ عيون المرافقين عن أفراد الفريق صعودا ونزولا وركوبا، وكلّ شيء بحسبان، ولم تعزب عنهم مثقال ذرّة من الاهتمام بالزائرين، ومن يسأل عن الأعوان والإطارات البشريّة فالأمر لا يعدو أن يكون سلسلة حلقاتها مترابطة متجانسة تعمل دون كسر ولا انفراط، فبحيث سواء صعدت إلى مترو أو قطار فأنت حتما على بساط الريح.
ولا يشعر الراكب بهذه السرعة الفائقة التي يسير بها، بل كأنّه يجلس في عربة لم تبارح مكانها ولم تراوح محطة انطلاقها حتّى إذا رغب الراغبون في موقع تواجدهم بعد دقائق عرفوا أنهم قطعوا أميال بعيدة من حيث لم يحتسبوا، أمّا حال وأحوال العربات فإنّها لا تختلف عن حال وأحوال الطائرات ومقصوراتها في العناية والتنظيم والنظافة وأهليّة وجودة المقاعد والأبواب وبيوت الراحة، والنوافذ، وغيرها.
وربّما يبدو مثيرا أن يبلغ بك هذا القطار السحري إلى وجهتك التي تربو عن 1280 كم في ظرف 4 ساعات وبضع دقائق، أي بمعدّل يناهز 390 كم كلّ ساعة، حيث تجدر الإشارة إلى أنّ افعوان السكة الحديديّة يرابط على سرعة لا تنحدر عن الثلاثمائة كم في الساعة الواحدة.
وأثناء المسير كنا في حديث لبعض الوقت مع المترجمان نتبيّن من كيلهما عن أمور تخص هذه المعجزة الحديدي للصين الحديثة، فعرفنا أن الصين تمتلك مما لا يحصى ولا يعدّ من هذه المكننة الحديدية المتطورة والجالبة للاهتمام باعتبار قالبها الشبيه بالطائرات والصواريخ ولكن دون أجنحة ومذنبات، آليات تملك منها الصين الجديدة أساطيل لا يمكن أن تحصر لها عددا، قطارات ملساء نظيفة تنساب كالثعابين مندفعة على سكتها بقوّة تحمل في جوفها ما يقلّ عن الألف شخص في الرحلة الواحدة.
وفي غمرة الحديث والاستفسار تدخّل لمسؤول المرافق لتقديم معطيات ومؤشرات رقمية عن هذا المكسب الحضاري العملاق لبلاده والذي ينافس أعتى البلدان المتقدة انطلاقا من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا مرورا بأوروبا ووصولا إلى الجارة الساحلية اليابا واستراليا.
وقد أوضح المسؤول أن الصين بدأت تشغيل ما أسمته بـ “قطار الطلقة” بين مدينتي بكين وتيانجين عام 2008، لكن السلطات أمرت بخفض سرعته بعدما قُتل أكثرُ من ثلاثين شخصا في حادث قطار عام 2011، قائلا “الصين تمتلك أطول شبكة سكك حديدية فائقة السرعة في العالم، بطول يمتد إلى أكثر من 35 ألف كيلومتر من السكك الحديدية”.
وفي الأثناء خمنت واستنتجت كما فعل كل الزملاء تقريبا ان اختيار مسؤولي مركز والتدريب أن نسافر عبر القطار السريع لمقاطعة تبعد 1200 ميل (ما يناهز 1905 كم) عن بكين وليس عبر الطيران الداخلي، استنتجنا أن الاختيار لم يكن من قبيل العبث ولكن متعمّدا وذلك فقط لنكتشف هذا التطور الصارخ للنقل الحديدي السريع الرابط بين مقاطعات البلاد الواسعة البعيدة عن بعضها، وهي في واقع الحال بمثابة دول بشعوب وحدود ووزن ديمغرافي يتجاوز أقطار كبيرة.
كما لم يكن عبثا أن يختار المنظمون للدورة التدريبيّة زيارتنا مقاطعة “شيجيانغ” ذاتية الحكم، أكبر محافظات البلاد المترامية واكثرها من ناحية التنوع العرقي (51 عرقية) وذات الأغلبية الويغورية (الويغور: مسلمون).
(قيس العرقوبي)
