مرقنا من المنفذ الأرضي الذي بلغناه بعد أن قطعنا مسافة لا بأس بها في مسالك مجهزة بأحدث شاشات التلفزيون العملاقة من آخر صيحة، تلك التي تخال ما يجري في بطنها حقيقة ماثلة بل جزء من المكان المهيب ببنائه الرخامي وسقفه المصنوع بخليط رائع من التكنولوجيا العالية وببصمة صينية تعكس التقاليد والعادات العريقة لأهل البلاد.
نفذنا، عبر أدراج السلّم القرانيتي الشبيه، تمام الشبه، بنظيره الذي دلفنا منه أول الرحلة في محطة “تشيداو”، البعيدة مائتي متر تقريبا عن فندق “يولونغ” الذي نزلنا فيه، حيث وجدنا أنفسنا قريبا من مجمّع هائل لناطحات سحاب وبنايات تجلّت فخامتها ورقيهاّ وعظمة تصميمها وإتقان بنائها.
تراءى لنا الشارع طويلا عريضا ولاحت لنا أضواء تتلألأ ولمحنا خلقا كثيرا يغدون ويروحون على ناصيتي الشارع فيما بدا وسطه خاليا الا من بعض السيارات والعربات الخفيفة التي انعكس لمعان الأضواء على لمعانها فازداد المكان بهاء أسطوري، وللحظة تخال نفسك تتجول في نيويورك أو نيوجرسي أو أي مدينة أمريكية أو عالمية مشابهة في العلوّ والترف والعظمة، هكذا يتجلّى الشارع الرئيسي في بكين للزائرين خاصة مرتاديه للمرّة الأولى.
وعندما تتوغل في الشارع توشك ناطحات السحاب الفسيفسائية والمتنوعة من حيث موديلها الهندسي، توشك ان تتداخل او تنصهر في لوحة سريالية بديعة حيث تتصدر واجهاتها أو تنتهي في أعاليها شاشات رقمية واشهارية ذات مساحات واسعة، والتي تعرض على مدار الساعة ما تعرضه من مواد تلفزيونية مسجلة ومباشرة لفضائيات محلية إلى جانب مواد اشهارية لبضائع صينية تروّج على مستوى الداخل والخارج، من ذلك الألبسة والعطور وصولا إلى السيارات الفخمة والإلكترونيات وآليات تكنولوجية متنوعة.
ويقال “يخلق من الشبه أربعين”، وهذه المقولة يظهر أنّها لا تنسحب فقط على الأشخاص بل حتّى على الأماكن، فشارع البقر يذكّر الزائر التونسي بالمدينة العتيقة التي تتفرع أزقتها وتنتهي مخارجها عند المدينة الأوروبية، وتحديدا الشارع الرئيسي الكبير “الحبيب بورقيبة”، حيث تحلى الشارع بحلة عصرية مع الاحتفاظ بالطراز الفريد والتقليدي للشارع، وشيدت به مبان عالية، ويوجد به الميدان الأخضر الذي يمكنك أن تقف فيه على مجسّم رائع لرسلة من البقر وسطه.
وبين ناصيتي الشارع الرئيسي ذي الطابع العصري تنتصب متاجر ومحلات متلاصقة لا تنتهي، تعرض منتجات صينية أغلب ما عاينّاه لم نعرفه خاصة من المنتجات الغذائية والحشائش واخلاط كثيرة، ولقد انبهر كل أعضاء الفريق بهذا الكم الهائل والمتنوع من الالبسة العصرية والتقليدية بما فيها الاحذية، وخاصة لفائف الحرير والقماش التي ازدانت بها اغلب المتاجر ناهيك عن منتوجات الخزف والفخار والبلور.
وإذا كنت من عشّاق الأحجار الكريمة فإن طواقم تعدّ بالآلاف في المحلّ الواحد تقابلك بألقها ولمعانها فيها من زينت بها القلائد والاساور وأخرى رصعت بها الخواتم، ولقد لمحنا اقبالا معتبرا من بعض الحرفاء الذين تظهر ملامحهم الآسيوية لكن من غير الصينيين وعلى الارجح يابانيين وتايلانديين وكوريين وربما ماليزيين وإندونيسيين حيث دلّت عليهم في الغالب تلك الطاقية الاسلامية المميزة التي يرتديها الرجال وذلك الحجاب المميز الذي ترتديه بضع نساء متقدمات في السنّ، وربما كان الحرفاء من مسلمي الصين سواء قومية “خوي” أو “ويغور” ولكن هذا مستبعد بالعودة الى اختلاف الملامح.
مضى فريقنا يستطلع الشارع حتى إذا بلغنا مستوى معينا من الطريق اتفقنا، أنا والثنائي الجزائري، الأخت “دزاير” والأخ “سعد” من جهة والاخوة الليبيين ومنهم “سيد أحمد” والأخ “أنور” والاخ “عبد اللطيف” والأخت الليبية، نسيت اسمها راجيا المعذرة، اتفقنا على القيام بجولة للاستمتاع والتبضّع على أن نلتقي في حدود العاشرة والنصف، ليلا طبعا، حتى نتمكّن من اللحاق بأخر مترو للعودة الى الفندق.
أخذني المسير مع “سعد” و”دزاير”، وانضمّ الينا في آخر الاخ الليبي “عبد اللطيف، إلى المدينة الصينية العتيقة المتركّزة في سويداء قلب الشارع العصري، ولاكتشاف هذه الايقونة البشرية والتاريخية ما على الزائر الا التقدم وسط الشارع الرئيس الكبير مسافة كيلومتر تقريبا ليقابله المدخل المؤدي لسلسلة ازقة لا تحدها حدود.
وبدخولك إحدى هذه الأزقّة تجد نفسك ماثلا مع تلك البنايات القديمة بأسقف انحنائية ومعقفة صنعت من الخشب والقصب والخيزران، يخلب لبّك هذا المتحف العريق الملموس الشاخص أمام انظارك وانظار المتجولين من اهل البلاد والضيوف، يغريك المنظر التقليدي الذي لا تتاح لك فرصة الفرجة عليه الا في الافلام الصينية القديمة.
إذا ولجت زقاقا من هذه الأزقة مترامية الأطراف ينفتح فمك عن آخره ويندهش عقلك على سعة إلمامه، فأنت أمام حوانيت ومحلاّت اصطفت على اليمين والشمال في طابور أزلي، وسريعا يستفسر عقلك الباطن والظاهر عن نوع المأكولات التي أدخلت في أعواد لتطبخ أمام أعين الحرفاء المنتظرين بشوق أمامها في انتظار الفوز بمجموعة من الأعواد الممتلئة بعد عملية الشواء والقلي.
سيصاحبك الاعجاب والبهتة، أجل كل ذلك يحصل معك طيلة رحلتك بين الأزقة ذات الميزات الخصوصية المتفردة، وستبقى بعد ذلك تجربة فريدة وواقعية متفرّدة، ستظلّ عالقة بذاكرة طيلة عمرك.
في نهاية المطاف، قام كل واحد منا باقتناء ما تيسّر من منتجات وتحف وقماش ولباس وبعض الهدايا التذكارية، ثم قفلنا راجعين إلى حيث الموقف الذي اتفقنا على اللقاء عنده، ووجدنا أنفسنا قد سبقنا المجموعة الثانية لكن لم يطل انتظارنا طويلا حتى حضر البقية وانطلقنا لا نلوي على شيء الى منفذ محطة المترو، وقد بدا انخ التعب قد فعل في الجميع فعله.
بلغنا الفندق وقد شارف الليل على الانشطار، وقد شارف معظمنا على السقوط على عتبة غرفته.
(قيس العرقوبي)
