معظم الأقطار التي أحرزت وثبة قياسية حققت من خلالها مؤشرات إيجابية طالت مستويات النمو والتنمية والتقدم أسهمت بنجاعة في رقيّ شعوبها في خضم العقود والسنوات الأخيرة، هذه الدول عندما تتصفح إعلامها بشتى وسائطه وتفريعاته (وسائل سمعية بصرية، مواقع وجرائد الكترونية وكذا الدوريات المنسوخة ورقيا)، عندما تفعل ذلك تطالعك وجاهة المواضيع وحيوية المسائل وحساسية القضايا التي تطرح ويتم بسط النظر بشأنها إذ يفرد لها بشكل احترافي ومتناسق الحيز الأهم من التركيز، فلا يخلو منبر أو عمود من التطرق بالتشخيص أو التحليل أو إبداء الرأي في ما يتعلق بمسائل السيادة والإكتفاء الذاتي الأمن القومي والاستقرار حيث يجمع المتفقون المتوافقون والمخالفون المتخالفون، يجمعون كلهم على إعطاء الأولوية القصوى للاستقرار الاجتماعي والشامل كشرط أساسي للتنمية، ورفض أي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية أيا كانت التعلّة.
هذا بموازاة التركيز على المواضيع ذات الأهمية الزمانية في صلة بمتطلبات العصر الجديد ومتغيراته، من ذلك تسليط الضوء على محورية مجال التكنولوجيات المتطورة وأهمية النهوض التكنولوجي والابتكار، فهنالك تركيز من إعلام هذه البلدان الناجحة على “القوى الإنتاجية الجديدة”، والمتمثّلة في مجالات الذكاء الاصطناعي، الطاقة النظيفة، وأشباه الموصلات، ذلك بالتعويل على القدرات الذاتية من الكفاءات المؤهلة والطاقات العالية موازاة مع تقليل الاعتماد على الخارج.
في الدول هذه ليس فقط قادة دواليبها من أصحاب القرار هم من يحمل على عواتقهم مسؤولية التشخيص ووضع الأصابع على الوهن والنقائص وابتكار حلول معالجتها بل النخب الإعلامية يحملون نفس المسؤولية، كل في مدار تخصصه، فالنخب والإعلاميون وأصحاب الرأي والكتّاب ومعهم أصحاب القرار في تلكم الدول يقرأون المسائل ويمهدون الأطر ويعبّدون الطرق القويمة ثم يحددون اتجاهاتها ويسلكونها قبل غيرهم ليكونوا قدوة للآخرين يرشدونهم للتي هي أقوم. في فضائهم لا مجال للهيافة وتمضية الوقت وملء المساحات بالسفاسف وتعبئة المنابر بالمثرثرين إما ما ينفع الناس والبلد وإما فلا؟
(قيس العرقوبي)
