أخيرا حطّت الطائرة، تنفست الصعداء لأنّي بوصولها إلى مطار بكين أكون قد أحرزت فعلا انتصارا ثمينا، هكذا كانت طبيعة الشعور الذي يخالجني، فحين هدأت محركات الطائرة وسكن صوت المضيفة الآتي من مكبر الصوت قلت في نفسي: “الآن أستطيع أن أذكر أنني حظيت يوما بزيارة الصين، هذا البلد القارة الذي عهدته طفلا على ألسن الكبار من الناس، وعرفته شابا وكهلا من خلال الكتب ووسائط الإعلام والتواصل، هذا البلد الذي لا يتاح لزيارته إلا قلّة قليلة من بلدي خصوصا لبعده الجغرافي.
لم تلتصق الطائرة بإحدى البوابات المخصصة لربوضها وخروج المسافرين عبرها إلى داخل الفضاء الخاص بالمسافرين والجمارك، ربّما لعدم شغورها وهو الأمر الذي عاينته فيما بعد، حيث جيء بمدرج ضخم لا يقل عن ضخامة الطائرة، طولا وعرض.
في آخر سلالم المدرج كانت تنتظرنا حافلة خاصة لم أفقه شيئا من الكتابة العابرة والأحرف المتواترة في لوحات الكترونية مثبتة في أعلى واجهتها البلورية وعلى جانبيها من الأعلى أيضا. صعدنا إلى جوف الحافلة المريحة لتنطلق بنا في ممرات ومسالك تستوي أحيانا وتلتوي أخرى في اتجاه فناء المطار الداخلي لاستكمال إجراءات الدخول للبلاد، وهو أمر بديهي.
وفي الطريق كانت تعترضنا، بين الفينة والأخرى، أشكال وأنواع من الطائرات ربّما غلب عليها الطيران الصيني والآسيوي عموما، وهو ما تظهره الكتابات المختلفة التي تعود الى الحروف الجذرية للغة الام وهي أساسا الصينية التي انشقت عنها لغات كثيرة لعل اهمها التايوانية واليابانية والفيتنامية والفليبينية وبعض اللغات الاخرى الشبيهة كالتايلاندية وغيرها، كتابات كادت تتشابه لكنها واضحة الاختلاف ولم أكن طبعا أستطيع تمييزها عن بعضها. ولعل الأمر يبدو عاديا ومستساغا في دولة كالصين وكقوة جاثمة على أرض آسيا وكدولة عظمى لها تأثيرها وعلاقاتها خاصة بالأقطار الجارة والمحيطة، وكذا البعيدة وحتى الأبعد.
طوت الحافلة الأرضية الاسفلتية النظيفة المرقّمة متجهة صوب إحدى بوابات المطار الرئيسية، وبدا معمار المطار الاسطوري وهندسته ماثلا شامخا يتكلّم عن حضارة عريقة وتاريخ تليد، معمار خلاّب يعكس جاذبيته تلك النقوش والمنحنيات السحرية الجميل في أسقف البناءات الملاصقة المكونة لأجزاء المطار ومكوناته.
عندما بلغنا فضاء المطار المرّيخي كانت الساعة في حدود الخامسة والنصف مساء، وقد انعطفت الشمس إلى مغربها، باعتبار أننا كنا، وقتها، في منتصف شهر اكتوبر، ولم تأخذني الغرابة لأني كنت مدركا بفارق التوقيت بين تونس والصين المحدّد بسبع (7) ساعات بالتمام والكمال (بما يعني أن التوقيت في تونس وقتها في حدود العاشرة والنصف صباحا).
أتممنا إجراءات الدخول للبلاد انطلاقا من أخذ البصمات وسحب رسومها آليا من ماكينات ضخمة مركّزة للغرض مرورا بقياس الحرارة عبر جهاز معدّ للغرض انتهاء بختم الجوازات بعد انتظار ساعة أو أكثر لبلوغ الدور بسبب السيل البشري العرم المنهمر على مدار الساعة ليصطف أمام شبابيك الجمارك التي انشغل القائمون عليها للقيام بأدوارهم بجدية ويقظة كانت تكشفها العيون المتحفزة والاذهان المتيقظة، شرطة، عناصر ديوانية أو أعوان استقبال مدنيين أو غيرهم، الجميع في خدمتك لكن ليس لصحبتك هكذا شعرت واستشرفت من التصرفات والملامح.
إثر استكمال الاجراءات تم إعلامنا بأن نستقلّ ميترو للوصول إلى فضاء الحقائب، ولم يكن هذا الميترو علاقة بما عندنا لا من ناحية ولا من ناحية التقنيات، ربّما كان قمرة طائرة او مركب صاروخي، وعليه حيث بلغنا الفضاء المطلوب بعد دقائق معدودة رغم أن المسافة كانت مديدة بين مكان الاجراءات وموقع الحقائب بما يعكس السعة المكوكية للمطار، وقد صادفنا خلال مرورنا بأنفاق في اتجاهات مختلفة تحت أرضية هذا المهبط الجوي العملاق إلى جانب جسور آلية حديدية مدّت عليها سكك لآليات ورافعات مختلفة الاحجام.
بلغنا مرادنا وتسلمنا حقائبنا سريعا، وفي البال تلك السلاسل العملاقة التي جاءت بحقائب أصحابها أجمعين، ولا يمكن لك أن تقارن ما لا يقارن، هكذا حدثت نفسي وأنا أسير ومرافقي في الرحلة صوب باب الخروج النهائي ننشد أن يظهر من سيستقبلنا من أهل المكان فنصحبه إلى مكان إقامتنا، فندق “يولونغ”.
+++++
سحبت حقيبتي وقد جرت عجلاتها تلاحق خطواتي، وهكذا فعل رفيقي (زميل في العمل)، كنا نهم في المشي، راغبين في استطلاع مسلك الخروج اهتداء بالعلامات العادية والضوئية المثبتة هنا وهناك والمخطوطة باللغة الانجليزية، حتى وجدنا أنفسنا في فضاء مستقبلي الضيوف، عندها جالت الأعين في الزوايا والأركان فوقعت على صف طويل عريض من رافعي اللافتات تحتوي أسماء الزائرين المعنيين، ولم نخط سوى بعض الأمتار حتى عثرنا على ضالتنا، لقد عثرنا على ثلاثي صيني ملاصق، كهل وشاب وشابة يحمل كل منهما لافتة كتب عليها اسمي ومرافقي ضمن بعض الأسماء العربية الأخرى.
تقدّمنا نحو الثالوث فقدّمت وزميلي نفسينا إليهم، صافحنا الصينيون الثلاثة وأعلمنا الكهل أنه نائب مدير المركز التدريبي وأعلمنا أن الشابين هما مترجمان سيرافقاننا وبقية الفريق المدعو من بعض الدول العربية انطلاقا من هذه اللحظة وإلى حين انتهاء الدورة، عبرنا عن امتناننا وتبادلنا الابتسامات.
في نفس الوقت تعرّفنا على الفريق القادم للتوّ، على نفس رحلتنا لكن لم يقدّر لنا أن نلتقي لا في الطائرة التي اقلتنا من تونس إلى الدوحة ولا الثانية التي حملتنا من الدوحة إلى بكين، هذا الفريق يتكون من ثلاثة زملاء وزميلة من ليبيا الشقيقة، تصافحنا وتعارفنا وانطلقنا يتقدّمنا الثلاثي الصيني حيث بدأ الشابان “شريف” و”زهرة”، وهي تسمية عربية يتم اطلاقها على المترجمين الصينيين المتعاملين مع الجنسيات العربية المختلفة، وربّما هي خصوصية متفرّدة، بدأ الشابان في التواصل معنا وإخبارنا بأن حافلة خاصة تربض على مسافة قريبة سوف تقلّنا جميعا (لأن هناك أيضا زملاء وزميلة من الإعلام الرسمي العربي، من الجزائر وسلطنة عمان، سيرافقوننا على متنها إلى الفندق.
منذ الخروج من المطار والابتعاد عنه أمتار قليلة تجد نفسك وجها لوجه أمام الصين الحديثة، عملقة، تقدّم ونظافة، وكلّ شيء يجري في فلك التنظيم المحكم، ومن الوهلة الأولى تنقشع عنك سحب المسلّمات التي يحملها فكرك عن هذه الصين، ونعني ما رسخ من مشاهد سلبية من قبيل الاكتظاظ والفوضى والمشاكل وعقلية العداء والقتال والجنوح إلى لغة الأفلام الغربية التي سممت عقول الكثيرين وحجبت عنهم حقيقة الواقع، وقدّمت صورة أجزم بأنها خاطئة بل ومشوهة عن الصين وأهلها. وها إني أقف شاهدا وأرى بأم عينيّ هذا البلد العملاق وشعبه العظيم المضياف.
طار النوم من عينيّ فلم يتمكن من الاطاحة بي إلى عالمه بل ازدادت حد نشاط تفكيري وتمعني في هذا الفضاء البيكيني المبهر إذ لم أتمكن من وقف ناظري عن تصوير هذه العظمة الشامخة ولم أستطع أن امنع ذاكرتي عن تسجيل معالم حضارة متقدّمة وقوية وهي ماثلة أمامي لا تخجل من كشف نفسها للعيان، طرقات واسعة نظيفة مضيئة لا تتعرّج ولا تضيق.
ففي بكين البنايات كثيرة عالية تكاد تخترق حجب السماوات، معمار راق وفسيفسائي لا يختلف عن أرقى مدن المعمورة، أمّا الجسور والممرات فمرآة تعكس صور التنظيم والانضباط والتكنولوجيا في أبهى تجلياتها، وفي غمرة الطريق “لا فوضى”، “لا ازدحام” و “لا ضوضاء”، بل حركة تنساب كخرير مياه ينساب بهدوء حتى يبلغ مقصده.
انطلق “الباص” يطوي الطرق والشوارع بل بالأحرى الزريبة الإسفلتية، نعم زريبة معبّدة، طويلة عريضة شاسعة، دون اعوجاج ولا مطبات ولا حفر ولا ماء مندلق ولا كلب سائب أو قطّ تائه، لا ترى في هذه الطرقات ما يضير عيناك من فضلات ولا حتّى عود ثقاب، “صدّق أو لا تصدّق”. ففي شوارع بكين كلّ شيء يجري بتنظيم محكم والمرور من ضفّة إلى أختها يتمّ عبر السلالم والمدرّجات العلويّة، حيث يصعب بل يستحيل قطع الطريق إلى شقيقه الذي يجاوره أو إلى قارعة محاذية بسبب “الفواصل” المعدنية المتمركزة بين الطرقات في كل الاتجاهات.
وأنت تتفحص الطريق وأهله تدرك أن المعجزة الصينيّة لم تتحقّق من فراغ وأنّ أخلاق الطريق تعكس صورة الحضارة والمدنية والأخلاق الإنسانية الإيجابية الضاربة رسوخا بين أبناء المجتمع الصيني في علاقة بعضهم البعض وفي علاقتهم بالأجنبي الضيف الذي وفد على بلادهم لهذا الشأن أو ذينك الأمر، فالطريق يحدّثك أنّ الصيني والصينيّة هما كائنان بشريان يحملان كلّ ما هو مطلوب حمله من خصال الإنسانيّة وصفات التمدّن. وكأنّ المشهد مستعار من لعبة “بلايستيشن”، نعم هو الواقع وليست لوحة سرياليّة من صنع الخيال، نعم لقد استطاع الصينيون أن ينتقلوا إلى هذه المرتبة العالية من التقدّم والعصرنة.
بلغنا الفندق وأنا لا أنفك أردد في نفسي: “الصين لم تحقق ما حققت، ولا هي بلغت ما بلغت من التقدم والنمو والقوة من باب الصدفة.
