“كرامة العيش” أو ما يرادفها “العيش بكرامة”، مطلب أساسي من المطالب الجوهرية العميقة والرمزية المعبّرة واللافتة التي رفعها الشعب التونسي وصدح بها عاليا إبان وبعد “ثورة الحرية والكرامة”، وقد كرر رئيس الدولة مرات ومرات مصطلح “كرامة العيش” ذلك تكرر أيضا في كلمته بمناسبة إحياء الذكرى 26 لوفاة الرئيس الحبيب بورقيبة بالمنستير (بتاريخ الأربعاء 6 أفريل 2026)، وفي اتساق مع هذه المسألة الحياتية الحساسة فإن ذلك إنما يعني في جوهره أن “العيش بكرامة” هو “الحلم العظيم” لعموم المجتمع التونسي، فالبديهي أن “الدولة الاجتماعية” التي نجحت في تجربتها وأفلحت في مساعيها هي تلك الدولة التي حرصت على تحقيق كرامة عيش شعبها كهدف أول بأن جعلت من كرامة عيش الإنسان فيها أولوية قصوى بل وضعتها فوق كل الاعتبارات.
ولعل ضمان كرامة العيش وضمانها هو فعليا من لوازم ولبنات إرساء أي دولة قوية وهو أيضا، وواقعيا، القاعدة الرئيسية والسبيل السالكة لتكريس مجتمع متماسك، فالعيش الكريم الذي هو من صميم “الدولة الاجتماعية” التي يطلبها عموم الشعب ويهفو إلى إرساها ويترقّب تجلّيها للعيان وتكريسها واقعا ملموسا على أرض الواقع هو في المقام الأول، تحقق للإنصاف والعدالة اجتماعيا، وهو أيضا تعزيز لحقوق الإنسان وحمايتها وفقا لسيادة القانون، وحفظ كرامة العيش هو كذلك نجاح في التحسين المستمر لمستوى احترام وحماية جميع الحقوق والمصالح الأساسية للشعب
التونسي والتي مدارها تعزيز الحقوق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والبيئية.
وإذا أردنا توضيح الصورة للأذهان وتقريبها أكثر للأفهام، يمكن القول إن “الدولة الاجتماعية” هي الترجمة البراغماتية والنقل المعياري لمطلب “الكرامة” الذي طالب به التونسيون، هذا المطلب الذي يقترن بشكل لصيق ووثيق بمسألة حقوق الانسان، وتحقيق الحياة الكريمة والعش بكرامة هو اتباع مفهوم حقوق الإنسان الذي محوره الإنسان، ذلك أساسا بوضع الحق في البقاء أي الحق في الحياة، الذي هو حق أساسي في أي دولة يعيش على أٍرضها، وأول مظاهر “كرامة العيش” هو الحق في توفير الغذاء والقدرة على اقتناء هذا الغذاء من أجل ضمان التغذية السليمة وضمان الحق في القدرة على التمتع بخدمات الصحة والنقل والتعليم، أي الحق في النفاذ لكل مستلزمات العيش الأساسية وضمان القدرة عليها.
لكن ما يجب الانتباه إليه هو أنه رغم المجهودات النوعية المبذولة لا سيما في أواخر السنوات المنصرفة مازالت الدولة التونسية توصف بأنها “دولة الحد الأدنى الاجتماعي” في ظل تزايد الأعباء المالية وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وتواجه تحديات كبيرة في تحقيق نموذج الدولة الاجتماعية القوية.
وما يجب عدم تخطيه دون إيلائه الأهمية التي تستحقّ هو النصائح أو بالأحرى المقترحات التي قدّمها المختصون والخبراء في المألة الاجتماعية والت من أبرزها بالخصوص الدعوة إلى: *تنفيذ أولويّات وثوابت رؤية تونس الجديدة بخصوص إرساء مقومات “الدولة الاجتماعية” وذلك من خلال: تعميم الحماية الاجتماعيّة وتعزيز الخدمات الصحيّة وإصلاح التّعليم والعناية بالفئات الفقيرة وتحقيق تنمية مستدامة ومدمجة وايلاء أولوية خاصّة للشّباب المبادر والمرأة والفئات الضّعيفة التي تتبوأ مكانة الصّدارة ضمن أولويّات التّنمية ومختلف برامج الادماج الاقتصادي والاجتماعي التي تستهدفها من أجل تنمية شاملة وعادلة، ومحاربة الفقر، وتقليص معدّل البطالة خاصة لدى الشّباب، وتهيئة بيئة أعمال محفزة على خلق فرص العمل والثروة.
*قيس العرقوبي
