مقتضيات المرحلة وضرورات التغيير تتطلب في الوقت الراهن وأكثر من أي وقت مضى البدء في عملية تنظيم وإصلاح مؤسسات الإعلام العمومي بما ينسجم مع مقتضيات المرحلة ويتناسب مع التحولات الجذرية ويتناغم مع شتى المتغيرات، مرورا بتشخيص أبرز التحديات الماثلة بمؤسسات الإعلام العمومي التونسي، تحديدا في عدد من مؤسساته (السمعة البصرية والمكتوبة) موازاة مع عرض رؤى ومقترحات عامة للتنظيم والإصلاح والتطوير، وانتهاء بالوقوف على الكلفة المادية والمجتمعية في حال الإنكفاء عن عملية التنظيم والإصلاح.
ويمكن شرح ضرورات الإصلاح والتغيير الذي لا بد للإ‘لام العمومي أن يشهده حتى تستقيم الأمور هو الإرتكاز على جملة من المنطلقات والدوافع التي يمكن التنصيص عليها في عدد من النقاط والمسائل المفصلية:
- الإعلام العمومي: هل يعكس اليوم تطلعات التونسيين؟ وهل تم الأخذ بما نادى به رئيس الجمهورية باستنباط التصورات والحلول الكفيلة بفض الإشكالات وتجديد الرؤى والنهوض بأوضاع المهنيين؟
- الإعلام العمومي: أية إصلاحات مستوجبة، أي تنظيم هيكلي مفترض، وأية مسؤوليات معلّقة في نطاق مسار الدولة وتطلعات الشعب التونسي؟
+ مسؤولية أخلاقية، براغماتية ووطنية للإعلام العمومي والفاعلين فيه.
+فحوى اجتماع رئيس الدولة بمديري مؤسسات الاعلام العمومي.
- دعوات الرئيس المتكررة إلى استنباط التصورات والحلول الكفيلة بفض الإشكالات وتجديد الرؤى والنهوض بأوضاع المهنيين في قطاع الإعلام: هل تم الأخذ بها؟ وهل ما ينتظره الرأي العام التونس تمت الاستجابة إليه؟
*استهلال:
“الإعلام العمومي” هو مفتاح من مفاتيح التنظيم والإصلاح والتنمية والتطور المنشود ودون كسب رهانه لا يمكن تحقيق شيء يذكر ولا حتى خطو خطوة واحدة إلى الأمام.
*المنطلق:
+ التساؤل عن “وضعية الإعلام التونسي من حيث التراخيص وبطاقات الإحتراف والهيئات التعديلية والنظام الأساسي لمؤسستي التلفزة والإذاعة التونسية”، ذلك خلال فعاليات الجلسة العامة المشتركة بين مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، مساء السبت 08 نوفمبر 2025، حيث تضمّن جدول الأعمال عرض ومناقشة مهمة رئاسة الحكومة من مشروع ميزانية الدولة لسنة 2026.
+ عدم رضاء شرائح واسعة من التونسيين عن المشهد الإعلامي العموم من نواحي برمجته ونجاعته وجودة مضامينه لا سما مقارنة بسائر الدول القريبة والبعدة والشبيهة وغيرها.
+ دعوة الرئيس في أكثر من مناسبة إلى “تحيين الخطاب الإعلامي حتى يواكب متطلبات المرحلة ويتناغم مع أهداف مسار تونس الجديد وبما يترجم تطلعات التونسيين ويستجيب لإنتظاراتهم“.
*مسؤولية أخلاقية، براغماتية ووطنية للإعلام العمومي والفاعلين فيه.
هناك مسؤولية أخلاقية وبراغماتية وبين كل ذلك هنالك مسؤولية وطنية ملقاة على عواتق كافة الفاعلين في الإعلام العمومي، لاسيما المسؤولين في كل المواقع، لتحريك القطاع الذي ترهّل وكسد وركن إلى السلبية منذ وقت مديد والعمل على تنشيط ميكانيزماته ووضع الآليات الكفيلة بتحسين مردوديته والرفع من جودة محتوياته ليتحوّل إلى “الدينامو” الذي يفترض أن يكون عليه لاسيما في عملية البناء والتشييد التي تم الشروع في نحت مسارها وتخلّف عنها الإعلام العمومي، طوعا أو كرها، هذا الإعلام الذي ذهب ضحية سياسة عوجاء عرجاء تسببت في إصابته بزخم من العواهن والكوابح أثقلت مهمّته وجعلته غير قادر حتى على مسايرة الأحداث وحيثياتها.
من البديهي والمنطقي جدا طرح السؤال الجدلي التالي: أية مسؤولية موكلة إلى الإعلام العمومي للانخراط في مسار الدولة الجدييد؟ وأية رؤية يمكن تحويلها من الحبر على الورق إلى الواقع الملموس في ارتباط بالإعلام العمومي وفي علاقة بمهمته في توفير المعلومات الصحيحة الحينية الدقيقة والموضوعية وخصوصا الموثوقة التي تجسّر العلاقة مع الرأي العام التونسي وتفتح آفاق التواصل مع الرأي العام الدولي بعيدا عن النمطية والشعارات التي لا تراعي مصلحة الدولة ولا تتوافق مع الواقع ومقتضياته، ولا تستجيب لإرادة الشعب وتطلعاته.
*فحوى اجتماع رئيس الدولة بمديري مؤسسات الاعلام العمومي بتاريخ 11 فيفري 2025.
أشرف رئيس الجمهورية قيس سعيّد عصر يوم أمس الثلاثاء، 11 فيفري 2025، بقصر قرطاج على اجتماع ضمّ كلاّ من السيد شكري بن نصير الرئيس المدير العام لمؤسسة التلفزة التونسية والسيدة هندة بن عليّة الغريبي الرئيسة المديرة العامة لمؤسسة الإذاعة التونسية والسادة ناجح الميساوي الرئيس المدير العام لوكالة تونس إفريقيا للأنباء وسعيد بن كريّم الرئيس المدير العام لـمؤسسة “سنيب لابراس” ومحمّد بن سالم المفوّض بمؤسسة دار الصباح.
وأكّد رئيس الدولة، خلال هذا الاجتماع، على دور الإعلام العمومي في هذه المرحلة بالكلمة الحرّة المُعبّرة عن مشاغل المواطنين، والكلمة لا تكون بالفعل حرّة إلاّ انطلاقا من فكر حرّ يقوم على أفكار جديدة ومفاهيم بدورها جديدة.
كما تعرّض رئيس الجمهورية مطوّلا إلى مسار التحرّر الوطني ودور الإعلام العمومي في هذا المجال، مشيرا إلى أنّ الأمر لا يتعلّق بدعاية لهذه الجهة أو تلك، بل بالوطن والدولة.
وتعرّض رئيس الدولة إلى دور وكالة تونس إفريقيا للأنباء. فهذه المؤسسة العريقة ذات الأرشيف الثريّ يجب أن تستعيد دورها وإشعاعها ووظيفتها التي تمّ إحداثها من أجلها خاصة في ظلّ الإشاعات الزائفة والصفحات المأجورة في الدّاخل والخارج التي لا همّ لها سوى نشر الأكاذيب التي لم يُعد يُصدّقها أحد، وبعضهم في الدّاخل كما في الخارج لا تزال أضغاث أحلامه تهزّه إلى تفتيت الدّولة وتقسيمها.
كما أكّد رئيس الجمهورية على متابعته المستمرّة لعملية إنقاذ صحيفتي “لابراس” و”الصباح”. فهاتان الصحيفتان جزء من تاريخ تونس، وتاريخ وطننا ليس للبيع ولا للإيجار.
وتطرّق رئيس الدولة في هذا الاجتماع أيضا إلى جملة من المواضيع، ومن بينها ضرورة التخلّص من رواسب الماضي ومن بعض المصطلحات البائدة التي انتهت مدّة صلوحيتها ومن يُقلّب أوراق التاريخ إلى الوراء، فالوراء قد ولّى إلى الأبد وانتهى.
لا شيء جديد ومازال الإعلام العمومي لم يبارح مكانه وقد أناخ بكلكله منثنيا في مفترق طرق حيث لم يأخذ القطاع وأهله جرعة نفس جديدة لا في ما يشمل الهيكلة ولا في ما يتعلق بالبرمجة والمضامين الصحفية التي ظلت على حالها تجتّر قديمها الذي كلّته وملّته جماهير التونسيين.
* دعوات الرئيس المتكررة إلى استنباط التصورات والحلول الكفيلة بفض الإشكالات وتجديد الرؤى والنهوض بأوضاع المهنيين في قطاع الإعلام: هل تم الأخذ بها؟ وهل ما ينتظره الرأي العام التونس تمت الاستجابة إليه؟
ما نادى به رئيس الجمهورية بخصوص “الإعلام العمومي” وكرره على المسامع في أكثر من مناسبة باستنباط التصورات والحلول الكفيلة بفض الإشكالات وتجديد الرؤى والنهوض بالمهنيين، وفي ارتباط بتحيين الخطاب الإعلامي حتى يواكب متطلبات المرحلة ويتناغم مع أهداف مسار تونس الجديد وبما يترجم تطلعات التونسيين ويستجيب لإنتظاراتهم، ما نادى به الرئيس من تصحيح وإصلاح وتطوير للإعلام العمومي لم يلق إلى التنفيذ والواقع سبيلا رغم أنه تم منح الفرصة والزمن المطلوب للذين تم تقليدهم زمام المسؤولية في المواقع الأولى بمؤسسات الإعلام العمومي على تباين مجالاتها وتفريعاتها.
ما يطرح التساؤل البديهي القائل: هل قدر تونس أن يبقى إعلامها العمومي كبوة في مضمار تجربتها ويظل حجر عثرة أمام تقدّم خطاها في مضمار التصحيح والإصلاح والإنجاز؟ أم هل أن الأمر ليس قدرا مقدورا وأنه بالإمكان الأخذ بزمام الأمور والقطع مع المشهد المعدم السقيم بإعادة النظر في كل التركة الثقيلة ومراكماتها السلبية ومعالجة بوائقها لاسيما بتبديل البوصلة في شأن إدارة الإعلام العمومي وحوكمته فهي منطلق وأداة لانتشاله وأهله من دوامة الدوران المطلق حول الفراغ.
يكون إصلاح مؤسسات الإعلام العمومي عبر مراجعة نصوصها القانونية وإعادة هيكلتها، ووضع عقود برامج مع الدولة تحدد مهامها وميزانياتها بوضوح، ودعم استقلاليتها لتعزيز دورها في تكريس حرية التعبير، وتشجيع الإنتاج الإعلامي المحلي، والانتقال نحو حوكمة رشيدة تتماشى مع واقع الرقمنة والواقع الجديد للمجتمع.
.يتبع.
(قيس العرقوبي)
