44
الجزء الأول: هندسة اللامساواة – كيف جرى تقنين حسن النية الهندي في شكل تنازلات:
- السياق: تقسيم نظام نهري:
يتكوّن نظام نهر السند من ستة أنهار رئيسية هي: السند، تشيناب، جيلوم، رافي، بياس، وستلج، وهي تعبر أراضي الهند وباكستان. ويؤمّن هذا النظام المائي مياه الشرب، ويدعم الزراعة، ويتيح إنتاج الطاقة الكهربائية في كامل حوض السند، مما يوفّر سبل العيش لمئات الملايين من السكان على جانبي الحدود.
وعندما جرى تقسيم الهند البريطانية سنة 1947، تم تقسيم نظام نهر السند بدوره بين الدولتين الجديدتين. وكانت الحقيقة الجغرافية واضحة: فالهند، باعتبارها دولة المنبع، كانت تسيطر على مصادر معظم الأنهار، في حين كان القلب الزراعي لباكستان — أي سهول البنجاب الكثيفة الري — يعتمد بشكل حيوي على استمرار تدفّق المياه القادمة من الشرق. أما الهند، فكانت تحتاج بدورها إلى الوصول إلى هذا النظام المائي لتحقيق أهدافها التنموية في البنجاب وراجستان، مع سعيها في الوقت نفسه إلى تحقيق الاستقرار وتطبيع العلاقات مع جارتها الغربية الجديدة.
ورغم احتياجاتها الداخلية الملحّة، أبرمت الهند هذا الاتفاق عالي التنازل لتقاسم المياه مع باكستان يوم 19 سبتمبر 1960، وهو اتفاق تمّ بوساطة من البنك الدولي. - المفاوضات: الهند دفعت ثمن العقلانية
2.1 الاستراتيجية الباكستانية في المماطلة ومقترح البنك الدولي لسنة 1954
لقد تشكّل مسار المفاوضات منذ البداية بفعل عدم التوازن بين المقاربة الهندية العقلانية والبنّاءة من جهة، والمطالب الباكستانية القصوى — وأحيانًا غير الواقعية — من جهة أخرى، وهو ما رسّخ نتائج أكثر ملاءمة لباكستان مما كانت العدالة تقتضيه.
ويُظهر أول مقترح جوهري للبنك الدولي، المؤرخ في 5 فبراير 1954، هذا الأمر بوضوح؛ إذ طالب منذ المرحلة الأولى بتنازلات أحادية كبيرة من جانب الهند:
كان يتعين التخلي عن جميع المشاريع الهندية المقررة في الأجزاء العليا من نهري السند وتشيناب، مع تحويل فوائدها إلى باكستان.
كان على الهند أن تتخلى عن تحويل نحو 6 ملايين فدان-قدم من مياه نهر تشيناب.
لم يكن مسموحًا باستخدام أي مياه من نهر تشيناب عند منطقة ميرالا (الواقعة اليوم داخل الأراضي الباكستانية) لأي غرض هندي.
لم يكن مسموحًا بإقامة أي منشآت مائية ضمن النظام النهري في منطقة كوتش.
ورغم هذه الشروط الثقيلة، قبلت الهند المقترح بحسن نية وبشكل شبه فوري، في إشارة إلى رغبتها الصادقة في التوصل السريع إلى تسوية. أما باكستان، فقد أخّرت قبولها الرسمي لما يقارب خمس سنوات، حتى 22 ديسمبر 1958.
وبسبب مبادرة حسن النية الهندية، فُرضت القيود على الهند بينما واصلت باكستان تطوير استخدامات جديدة على الأنهار الغربية دون قيود مماثلة. واستخلصت باكستان درسًا واضحًا: التعطيل يؤتي ثماره، أما التعاون فله كلفة — وهو النهج الذي واصلت اتباعه منذ ذلك الحين. - ما الذي خسرته الهند: حجم التضحية
3.1 توزيع المياه
بموجب صيغة تقاسم المياه المنصوص عليها في المعاهدة، حصلت الهند على حقوق حصرية في الأنهار الشرقية الثلاثة — ستلج، بياس، ورافي — بينما حصلت باكستان على حقوق استخدام مياه الأنهار الغربية الثلاثة — السند، تشيناب، وجيلوم.
وسُمح للهند ببعض الاستخدامات المحدودة وغير الاستهلاكية للأنهار الغربية داخل أراضيها، خاصة لإنتاج الطاقة الكهرومائية بنظام الجريان الطبيعي، مع خضوع ذلك لقيود صارمة في التصميم والتشغيل.
ومن حيث الحجم المائي، تنقل الأنهار الشرقية المخصصة للهند نحو 33 مليون فدان-قدم سنويًا، بينما تنقل الأنهار الغربية المخصصة لباكستان حوالي 135 مليون فدان-قدم، ما يمنح باكستان قرابة 80٪ من إجمالي مياه النظام النهري، مقابل 20٪ فقط للهند.
والنقطة الجوهرية أن الهند لم تحصل فعليًا على مياه جديدة بموجب الاتفاق، بل حصلت فقط على اعتراف رسمي بتدفقات كانت تستفيد منها أصلًا، مقابل تخليها عن أي مطالب في النظام الغربي الأكبر بكثير. كما اقتصر ما سُمح لها به على بعض الاستخدامات غير الاستهلاكية داخل أراضيها، خصوصًا مشاريع الطاقة الكهرومائية القائمة على الجريان الطبيعي.
3.2 التنازل المالي: الدفع مقابل التخلي عن المياه
ربما يُعدّ البند المالي أكثر الجوانب غرابة في المعاهدة. فقد وافقت الهند على دفع نحو 62 مليون جنيه إسترليني — أي ما يعادل تقريبًا 2.5 مليار دولار بالقيمة الحالية — كتعويض لباكستان من أجل تمويل إنشاء بنية تحتية مائية في كشمير الخاضعة للإدارة الباكستانية.
ويمثل هذا سابقة فريدة من نوعها، حيث قامت دولة المنبع — رغم تخليها أصلًا عن غالبية مياه النظام — بدفع أموال لدولة المصب مقابل “امتياز” القيام بذلك. وبمعنى آخر، موّلت الهند قبول باكستان لاتفاق كان يصبّ بدرجة كبيرة في مصلحتها فيما يتعلق بتوزيع المياه. - اللامساواة الهيكلية في المعاهدة
4.1 قيود أحادية وغير متكافئة مفروضة على الهند
تفرض المعاهدة على الهند سلسلة من القيود الخاصة المتعلقة بالتصميم والتشغيل فيما يخص استخدامها للأنهار الغربية، دون أي التزامات مقابلة على الجانب الباكستاني:
لا يُسمح للهند إلا بتطوير مساحة محدودة من الأراضي الزراعية المروية داخل أراضيها.
تواجه الهند قيودًا صارمة على حجم المياه التي يمكن تخزينها في أي منشأة تقع على الأنهار الغربية.
يتعين على الهند الالتزام بمعايير تصميم محددة لأي منشأة كهرومائية على الأنهار الغربية، بما في ذلك قيود تتعلق بسعة الأحواض والتخزين.
وهذه القيود أحادية الاتجاه؛ فهي تعرقل التنمية المشروعة للموارد الهندية داخل الأراضي الهندية، دون فرض أي متطلبات مماثلة من حيث الشفافية أو القيود على باكستان.
والنتيجة هي معاهدة تعامل دولة المنبع — الهند — باعتبارها الطرف الذي يحتاج إلى الرقابة والتقييد، بينما تستفيد دولة المصب — باكستان — من تدفقات مائية مضمونة.