في اليوم الثاني من حلولنا بمقاطعة “شيجيانغ” كان القائمون على حلّنا وترحالنا قد خصصوا لنا زيارة إلى جريدة “شيجيانغ دايلي” إذ لم تكد أقدامنا تطأ محيط البوابة البلورية اللولبية الآلية للمقر الكبير الناطح للسماء للجريدة الشعبية ذائعة الصيت بأكبر محافظات البلد-القارة حتى وجدنا بانتظارنا مديرها الكبير يرافقه اثنين من الصحفيين العاملين بها كهل وسيّدة، بدا ثلاثتهم وكأنهم يحضرون موكبا رسميا لشخصيات رفيعة في الدولة، ابتسامة تملأ وجوه باشة ووقفات متماسكة وحفاوة الإستقبال عهدناها في كل زياراتنا لما سبق من مؤسسات رسمية وإعلامية منذ حلولنا بالبلاد.
صعد بنا عبر المصعد الشاسع الفخم الى أحد الطوابق العالية للمبنى المتعالي حتى إذا خرجنا اعترضنا سكون رهيب لم نتوقعه خاصة ونحن ندخل مقر جريدة فيها ما شاء الله من صحفيين وصحفيات وأعوان وعملة مثل شعر الرأس بل كأن الغادين الرائحين في الأروقة لا يمشون على أقدامهم بل مثلهم مثل الزواحف لا تسمع لهم ركزا بل حثيث لا تكاد تسمعه إلا إذا أرهفت الحسّ.
دعانا المدير بتواضع يمزج بين الفطرة والاكتساب إلى دخول قاعة كبيرة سقفها عال جدا وفضاؤها دائري وقد انتصبت في وسطها طاولة ثبتت في أطرافها مجموعة من الحواسيب ذات الماركات الصينية المتطورة، وقد عرفنا عند استخدامها، أنها من الأجيال التكنولوجية ذات الجودة الرفيعة، وفي أعلى جدران القاعة بيضاوية البناء علقت لوحات الكترونية اكتسحت أغلب مساحة الجدران العلوية فيها معلومات تخص الجريدة في نسختيها الورقية والالكترونية وكل ما يتعلق بمجمل الخدمات التي تؤمّنها الصحيفة، وكذلك معطيات بشأن قرائها ومتابعيها في المقاطعة وفي كامل الصين وفي أرجاء العالم.
ولم نزل بالقاعة وقوفا حتى أشار المدير بالبنان إلى هذه اللوحات مفسرا ما يتم رصده عبرها من معطيات فورية ودقيقة حول مجمل العناصر الخاصة بالجريدة وعدد المبيعات ووصولها إلى المشتركين والقراء، ولقد وقفنا شاهدين، حقا، على التأثير الواسع والكثيف، كمّا وكيفا، للصحيفة.
كما أعلمنا أن “شيجيانغ دايلي” توفر أيضا صحف عديدة فيها الجامعة ومنها المتخصصة، وفيها من الدوريات ما ينشر على مستوى الجمهورية الشعبية وفيها ما يوزع على مستوى المقاطعة فحسب، ومن الأمثلة التي اختار المسؤولون أن يولوها اهتماما، وتكون نموذجا يبرزونه ويضعونه أمام الإعلاميين الزائرين ليفتحوا أفواههم في مظاهر الإعجاز الإعلامي في الصين.
ثمّ حدثنا عن التقدّم الوارف الذي تعيشه صناعة الخبر وإنتاجه في الصين، مؤكدا أن المعطيات الرقمية والموضوعية المسجلة تكشف أنّ التقدم الصيني على المستوى الصحفي لم تسبقهم إليه دولة من الدولة الجارة ولا البعيدة، المتطورة أو دونها، قائلا: “ها أنا ذا سأضرب لكم مثلا استنادا إلى نظرية القرب التي في اختصاص الصحافة، ها أنتم أمام نموذج ترونه رؤيا العين، هاهي ذي صحيفة “شيجيانغ دايلي”.
وقال المدير إن جريدة “تشيجيانغ” اليومية التي يعود إنشاؤها إلى سبعينات القرن الماضي هي مجمّع إعلامي رهيب من ناحية النشر والتوزيع، حيث لا تقلّ إصداراتها اليوميّة عن 10 ملايين نسخة ورقيّة، وطبعا كنت والفريق من المصدقين لكلام المدير الذي لم يكن يتكلّم عن الهوى أو عبثا فمنذ دخولنا للمقر حصلت الصدمة للجميع ووجدنا ما لا يقارن.
ولم يحتكر المدير الكلام بل سمح للصحفية التي رافقتنا منذ حلولنا بالمكان لتشرع في الحديث والتفسير لافتة إلى أن جريدة “شيجيانغ دايلي” على ملكها اليوم مئات المواقع الإلكترونية منها الربحيّة والتجاريّة والإشهاريّة التي تدر عليها مداخيل مالية هامة، سنويا.
وأشارت الصحفية الصينية إلى أن هذه الجريدة بتفرعاتها المختلفة تضطلع بدور جدّ هام في تحقيق النهضة الصينيّة وتقدّمها، وخاصّة التعريف بشيجيانغ، والمزايا الطبيعية والاقتصادية والإدارية التي تحتكم عليها، الأمر الذي جعلها وسيلة إعلام محوريّة ومفصليّة في جلب ملايين السياح إلى المقاطعة التي توصف بـ «الجميلة” كلّما ذكرها الذاكرون والذاكرات من أبناء المقاطعة أساسا.
وأضافت قائلة: “السمة البارزة للجريدة لا تقف عندها فحسب بل هي ميزة بقيّة وسائل الإعلام والتواصل الجماهيري الأخرى في المقاطعة، وهو سمة النموذج الإعلامي في الصين عموما، وعبر إشارة سريعة بمقدّمة أصابع يده استرجع الكلمة من الصحفية ليدعونا إلى مشروع خاص تعكف الصحيفة على إعداده في إطار تنفيذ المبادرة الصينية العالمية التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ أو ما يعرف بمبادرة “الحزام والطريق”.
تجوّلنا في بعض أقسام صحيفة “شيجيانغ دايلي”، بشقيّها الورقي والإلكتروني، واطلعنا على العمل الحثيث والانكباب التام من قبل صحفيي الجريدة على ما كلفوا به من أعمال ومهام فلم تنزعهم عن ذلك ضوضاؤنا وجلبة أحذيتنا ولا حديثنا الجانبي المرتفع نسبيا، لم تنزعهم عن تركيزهم وظلت عيونهم منغرسة في حواسيبهم أما أصابعهم فلم تكن تهدأ لها هادئة.
وفي ختام الزيارة أهدانا المدير نسخة عن أول طبعة للصحيفة الورقية، والتي تعود إلى أكثر من قرن تقريبا، كنا نتصفح النسخة وبموازاة ذلك كان الواحد منا يتخيّل كف ستكون الزيارة التالية والتي كان مبرمج أن تقودنا إلى مجمّع الإذاعة والتلفزيون بالمقاطعة.
