الصين.. سحر الشرق..
زيارة تسوّق إلى”سوق الحرير”..
فرغنا من المحاضرة الصباحية وغصنا مع المحاضر الصيني الضليع الباسم في غمار المعجزة الصينية التي سلكت ثنايا المقولة المحلية المأثورة “مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة” فلم يفلتنا المتحدث البارع وهو ينسل بنا سابحا في غوائل التواريخ تليدها وأوسطها وحديثها ليشدنا سرده الدقيق للوقائع والملاحم التي سبغت وجه الحياة والدهور بتقلباتها ووسمت هذه الامبراطورية الواسعة الشاسعة والرابضة منذ العهود السحيقة على أرض آسيا الواسعة تكاد تلتهم سوادها الأعظم.
علمنا زخما وارفا مما نجهل عن حضارة بطم طميمها وروادها ورموز كل عصر ورجال دولتها، عرفنا ما عرفنا من أخبار إمبراطورياتها وحكامها وشنفنا الآذان بموسيقى عتيقة كأنها تأتينا من ستائر الغيب المقدر لهذه الامة، ولم يغفل المحاضر الهاش الباش أن يحيطنا خبرا بأكبر الأسر التي حكمت هذه “الدولة-القارة” منذ القدم فعلمنا ما لم نكن نعلم عن العائلات الكبيرة التي حكمت البلاد لقرون عديدة من ذلك أسر “تانع” و”تشين” و”مينغ” وأسرة “هان” التي من سلالتها اليوم أغلب سكان الشعب الصيني ويضاهي نسلها حدود المليار نسمة فيما تعود بقية الشعب إلى قوميات أخرى عديدة من بينها قوميتا “خوي” و”ايغور” المسلمتين.
أتممنا المحاضر ة، وكنت قد عقدت وزميلي الجزائري “سعد”، عقدنا العزم على ارتياد المركز التجاري المعروف وسط بكين “سوق الحرير” والذي يعدّ تقريبا قبلة كل زوار الصين خاصة من السياح أو من الراغبين في شراء الأقمشة أو الألبسة سواء الرجالية أو النسائية أو ملابس الأطفال.
فلا يمكن أن تزور الصين دون أن تهفو نفسك إلى زيارة متاجرها وأسواقها لا سيما منها المشهورة والتي تردّدها الالسنة من ذلك “سوق الحرير”، هذا الموقع التجاري الذي نصحنا به المترجمان الشابان، نصحانا بزيارته لما يحتويه من بضائع متنوعة وقالا إنها تستجيب لكل الأذواق.
امتطيت و”سعد” الميترو من “تشيداو” إلى مفترق “قانزوفان”، وهكذا قرأنا تسمية الأماكن بلكنتنا العربة، لتكون الوجهة منها الى “سوق الحرير” بعد إحدى عشرة محطّة، على أن ما بين محطة وأختها يقطعها الميترو المنساب بمرونة ودون ضجيج يذكر، يقطعها في دقيقة ونصف ولا تزيد الثواني ولا تنقص حسب ما هو مسجّل بدقة على اللوحة الالكترونية العلوية لكل عربة من العربات.
نزلنا من الميترو ومشينا بضع عشرات الأمتار فقط لنكون أمام بوابة الدخول البلورية الكبيرة لمبنى “سوق الحرير” المتمركز في طرف مجمع تجاري ومعماري فخم وقريب من ناطحات سحاب عديدة ذات أشكال هندسية مختلفة ومتميزة البناء، والملاحظة الهامة أنك لا تشاهد البتة سيارة أو شاحنة أو ما شابه رابضة أمام مختلف هذه البنايات العملاقة كأن عاصمة بلد المليار والاربع مائة مليون بشري لا توجد فيها عربات كالتي عندنا!
ولكن فقط ترى حافلات فخمة الظاهر والباطن مخصصة أساسا للسياح وهو ما عرفناه من اللوحات الأمامية المثبتة في واجهتها البلورية الأمامية، ولقد رأينا أمام وفي محيط “سوق الحرير” ما رأيناه عند حلولنا بمطار بكين في أول يوم لنا بزيارة البلاد.
رأينا كثيرا من ذوي السحنات الأوروبيّة والأجانب حيث عرفنا من بينهم فريقا من السياح المكسيكيين برايتهم لمميزة وبلكنتهم الاسبانية القوية التي تتناهى إلى المسامع من بعيد، حيث كان بعضهم يرتدون تلك القبعات المذيلة بحدّ مذبّب نسبيا عند الاعلى إذ حمل أحدهم تلك القيثارة الكبيرة مرتديا اللباس التقليدي الذي شاهدناه في بعض المسلسلات التي كانت تعرضها التلفزة في التسعينات، وفي أوائل هذه الألفية.
وشاهدنا أيضا جموعا غفيرة تتهادى لتتجمّع في شكل دوائر وصفوف قبل أن تنفذ من بوابة المركز التجاري إلى داخله وكانت هذه الجموع من ذوي السحنات الآسيوية الأخرى والذين يبدون مختلفين عن أهل البلد في لون البشرة وضيق العيون وفي بعض المقاسات والأحجام الجسمانيّة الخاصّة، أمر يستدعي منك في كلّ مرّة أن تتلفّظ ب “سبحان الله”، فلا تنفكّ تذكرها إعجابا دهشة لقدرة وحكمة الخالق.
المهمّ فرصة لا تتكرّر وأنت في الصين إلاّ ارتياد “سوق الحرير”، فهو من أبرز الفضاءات والمتاجر المنصوح بزيارتها، هذا السوق الذي تختار إليه الذهاب سيان بميترو الأنفاق او بسيارة الأجرة فلا يأخذ منك المسير في هذا أو تلك أكثر من 20 دقيقة إلى 30 دقيقة في الحالات القصوى، فالميترو مضبوط سريع لا تتجاوز مسافة بين المحطّتين الدقيقة والنصف كما أسلف وذكرت.
بدا أمامنا “سوق الحرير” تماما كما حدثنا عنه المترجمان “زهرة” و”شريف”، بدا قلب الصّين التجاري النابض بالنشاط، ووجهة سياحية مميّزة، فهو فعلا صورة مجسّمة تعبّر أفصح تعبير عن أصالة الصين الثقافيّة، والتاريخيّة، والتجاريّة، الأمر الذي يجعل من زيارته فرصة ثمينة تتاح للسائح للاستكشاف مذاق الحياة الصينيّة عن قرب.
ولجت و”سعد” الفضاء التجاري العملاق لنبدأ جولاتنا وصولاتنا في مختلف طوابقه وأروقته لنكتشف غيضا من فيض أسرار التعامل في السوق الصينية من خلال الأخذ والردّ مع التجار وخاصة البائعات و”المساومة” معهن بشأن الأسعار في هذه السوق الصّينية ذائعة الصيت في حاضرة بكين وضواحيها، وبديهيا أن يكون صيت السوق ذائعا في بقية محافظات الدولة وللوفود من السياح والأجانب المقيمين في البلاد.
نعم هو واقع “سوق الحرير” وغيره من الأسواق التي تحمل تسميات كثيرة تنبع منها معاني شرقيّة خالصة على “سوق جوهرة” الذي لا يقلّ أهميّة ولا اجتذابا للسياح وأيضا المستهلكين الصينيين، وهو سوق في احدى مناطق بكين الممتدة المترامية، واللافت أنّ مجمل هذه المتاجر والفضاءات المتلاصقة بشكل منظم تتوفّر فيه كلّ عناصر التنظيم والنظافة والإضاءة، كلّها تغزوها النساء والفتيات سواء كانت البضاعة المعروضة لباسا رجاليا أ للنساء أو الأطفال، ولا يختلف الأمر عن بيع التحف والأحجار فسيفسائية اللون وغيرها من الأقمشة والسلع التذكاريّة.
وستجد نفسك في مواجهة معيار واحد “ستاندار موحد” في الخطاب واللغة والإشارات، ترحّب بك القائمة على البضاعة فتسألها عن حاجتك فتأتي سريعا بآلة حاسبة تكتب عليها السّعر ثمّ تقترح عليها الثمن الذي تقدر عليه ولا يثقل كاهلك.
في الأخير تأكدت ومرافقي الجزائر “سعد” من قوة الاقناع والقدرة الخارقة على التسويق التي يمتلكها الصينيون والصينيات سواء ذهبت إلى فضاء تجاري عادي أو كبير جدّا فإنّ أهل المكان من الأصدقاء الصينيين لا يتركونك الا وقد حققت مرادك وقضيت حاجتك.
(قيس العرقوبي)
