عـــــــاجـــــل
الأخبار الوطنيةمتفرقات

بعد مواربتها لأكثر من 50 عاما تونس تفتح النّافذة الإسلاميّة على أكثر من واجهة

يبدو أنّ رئيس الدولة الباجي قائد السبسي ورئيس الحكومة الحبيب الصّيد قد اكتشفا، وإن بصفة متأخّرة نسبيّا، الحاجة إلى فتح النافذة التونسيّة على البلدان الإسلاميّة، الوجهة العربية وكذلك غير العربيّة، هذه النافذة التي كانت إلى وقت قريب ليست مفتوحة بالقدر الكافي إن لم نقل كانت مغلقة أو لنقول كانت مواربة نوعا ما، على اعتبار التوجه السياسي في العهد البورقيبي الذي كان مغايرا أو ربّما مخالفا لمسار وسياسات تلك الدول، وحتّى في عهد المخلوع “بن علي”، حيث كان الأبواب موصدة في “الاتجاه الإسلامي” ومفتوحة على مصراعيها ناحية البحر المتوسط في اتجاه أوروبّا.

ومن الثّابت أنّ الزعيم بورقيبة المتشبّع بالثقافة الغربيّة كان حاملا لأفكار تناقض تماما ما يصطلح عليه حاليا بـ”النمط المجتمعي”، حيث اختار الزعيم النمط الذي يراه لائقا بالتّونسيين، وكان النمط الذي طبّقه، على هواه، هو النموذج الأوروبّي بكلّ ما يتضمنه من حيثيّات العيش العادي وكذلك الأمر بالنسبة للمناخ المجتمعي والسياسي والنهج الاقتصادي، الأمر الذي أبعد السفينة التّونسيّة وجعلها ترسو بعيدا عن موانئ الدّول الإسلاميّة سواء منها ذات الانتماء الجغرافي الخليجي أو الآسيوي أو حتّى الأوروبّي، ناهيك عن المسلمين الهنود أو اروس أو ما شابه، فتونس أغلقت نافذتها الإسلاميّة سواء ايديولوجيا أو اقتصاديّا أو حتّى من نواحي السياسة.

ما يربو على 30 عام من العهد البورقيبي و23 سنة من فترة حكم المخلوع بن علي كان النظام في الدولة التونسيّة مناكفا إن لم نقل “معاديا” للفكر والتوجّه الإسلامي، الأمر الذي جعل من الدول الإسلاميّة، العربيّة وغير العربيّة، وخاصة التي تقول بالإسلام في تنظيمها المجتمع وفي نظامها السياسي في “عداء دبلوماسي” مع تونس، وقد تمت ترجمت هذا العداء من خلال التنافر السياسي وتباعد في المواقف حتّى في ما يخصّ القضيّة الفلسطينيّة، من هذا الجانب أو لذلك الاعتبار، ممّا أحدث في نهاية المطاف “شبه قطيعة” دبلوماسيّة واقتصاديّة وتجاريّة ودعا البلدان الإسلاميّ إلى تخيير وجهات أخرى وتوجيه البوصلة نحو بلدان “السّند” و”الهند” وافريقيا وروسيا وأمريكا اللاّتينيّة.

وممّا زاد الطين بلّة وقطع الطريق أمام بناء البلاد لعلاقات متينة وقويّة تثمر مكاسب حقيقيّة خاصّة في مجالي الاقتصاد والاستثمار مع عديد الأقطار الإسلاميّة لا سيما منها الخليجيّة، الغنيّة من حيث الثروات النفطيّة وامتلاك مادّة الذهب والأموال الطائلة، هو الحملات التي كان يشنّها النظام ضدّ الحركة الإسلاميّة (ممثلة بالخصوص في حركة النهضة)، والتوجّه بالمجتمع نحو “التغريب”.

اليوم الرأي العام يتابع “الجرأة الرئاسيّة” بقيادة المخضرم “السبسي” والتجرّؤ الحكومي بقيادة “الصّيد” ضدّ تلك “الحواجز الوهميّة” و”السواتر السرابيّة” التي كان توضع في طريق ربط الصلة وانشاء العلاقات الاقتصادية والسياسية مع البلدان الإسلاميّة التي من شأنها أن تجلب لتونس الخيرات، دون خوف أو هلع على كلّ ما يمكن أن يمسّ من “سيادة القرار” أو حتّى “النمط المجتمعي” المراد لهذه الشعب، ويرى المتابعون أن الخطوات التي يخطوها “الرئيسان” في المسار الصحيح والمطلوب، وأنّه لم يكن من داع تلك الفزاعات القديمة التي كان يرسم تصاويرها من كان يجلس فوق كراسي السلطة منذ اندحار الاستعمار الفرنسي عن البلاد وإلى حدود “ثورة 17 ديسمبر 2010 – 14 جانفي 2011 “.

وتتفق فئة واسعة من المتابعين أنّ “الرئيس” و”رئيس الحكومة” وجدا الصواب عندما فتحا يدا بيد “النافذة الإسلاميّة” لتنقل أشعّة كانت محجوبة لفترة طويلة من الزمان على البلد وأهله، هذه النافذة التي تفتح على بلدان من قبيل تركيا والسعوديّة وقطر والكويت، هذه البلدان التي تسجّل اليوم أعلى المؤشرات الإيجابيّة في المعاملات التجاريّة والماليّة، كما تحتكم على أعلى الإيرادات الاقتصادية في مختلف القطاعات، بلدان بالإمكان وحتما ستستفيد تونس إن هي عرفت كي تنسج علاقات إيجابيّة معها.

تركيا التي تنظم مؤتمرات وتظاهرات دوليّة ذات شأن عالمي وصيت قاري خاصّة على مستوى الاقتصاد، وهذه الدولة التي تمتلك النسبة الواسعة في الترتيبية العسكريّة والمدنيّة صلب الحلف الأطلسي، والتي تسجلّ اليوم أعلى الفوائض الماليّة عبر العالم، حريّ بأن يكون النموذج الذي يحتذى ليس من جانب تونس التي تقطع خطواتها الأولى في إرساء بناء دولتها الحديثة، وإنّما لجميع بلدان المنطقة سواء منها المغاربيّة أو العربيّة أو الإفريقيّة أو حتّى الدول الإسلاميّة مترامية الأطراف في شتّى أنحاء المعمورة.

ودون الدّخول في دائرة تفسير المفسّر، مراتب متقدّمة ومتطورة تعتليها الأقطار الإسلاميّة على الصعيد الإقليمي والقاري والدولي، والتي تسعى الدولة التونسيّة حاليّا لتوثيق عرى العلاقات الثنائيّة ومتعدّدة الأطراف معها، فالواقع الملموس يؤكّد، بما لا يدع مجالا للشكّ، أنّ تونس يمكن أن تستفيد كثيرا خاصة بالنسبة لامتصاص الآلاف المؤلّفة من العاطلين عن العمل وفي مقدّمتهم حاملي الشهادات الجامعيّة وذوي الاختصاصات المهنيّة المتعدّدة لا سيما عبر نقل جملة من المشاريع الاستثمارية ذات الطاقة التشغيليّة الكبرى، والمزمع إنشاؤها على التّراب التونسي، من بينها بالخصوص مشروع “سما دبي” و”مرفأ تونس المالي” و”مدينة تونس الرياضيّة” اضافة إلى جملة من المشاريع الاستثمارية في المجال السياحي بتمويل سعودي، وأخرى كويتيّة وقطريّة وإماراتيّة تشمل ميادين حيويّة متنوعة.

فضلا عن ذلك كثير من الامتيازات والاستثمارات في مجال الماليّة يمكن أن تستفيد منها تونس لا سيما وبالنظر إلى الثقل المالي والنقدي الذي أضحت عليه الدول الخليجيّة والإسلاميّة الكبرة خاصّة وأنّ القطاع البنكي والنقدي الأوروبّي استفاد منها كثيرا عبر اللجوء إلى اعتماد نظام “الصيرفة الإسلاميّة”، وأيضا اعتماد ما يصطلح عليه بـ “الصكوك الإسلاميّة”، هذا المنظومة المالية الإسلاميّة كانت سببا وعاملا مباشرا في انقاذ كبرى المؤسسات الماليّة من الانهيار بل كانت المنقذ من افلاس النظام المالي العالمي في شقّه الرأسمالي، وكثير منّا يذكر ما حصل للمؤسسة الماليّة ذات الصيت العالمي “ليمن برذرز” وكذلك ” Societé Génerale ” فرنسيّة المنشأ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى غير قابل للنسخ أو الطباعة.

يمكنكم أيضا متابعتنا على صفحتنا على الفيس بوك