الأخبار الوطنية

( قــيس الــعرقــوبي): الشباب التّونسي: “حرقة ولا حقرة”!!!

Image associée

مأساة الحادثة البحريّة الأخيرة التي أودت بحياة عدد من شبابنا في عمر الورود كما درجنا على توصيف هذه السنّ المزهرة التي عليها ملايين من فئات الشّعب التونسي، ذكورا وأناث، مأساة تدفع كلّ من له ضمير وعقل وشيء من الوازع الإنساني أن يتكلّم وينطق ولو تقييما ومواساة لعائلات مكلومة فقدت أعزّ ما تملك في هذه الدنيا متقلّبة الأحوال قاتمة الفصول في هذا الزّمن الرديء، فرغبت أن أقول القول الآتي:
آلاف مؤلّفة من أولاد البلد حرقوا، عبر السنوات، إلى برّ الطليان، فمنهم من رجع مثقلا بالمال والأهل والرّياش، ومنهم من رجع صفر اليدين، وخريّج سجون، وقضايا من نوع العنف والمخدّرات، ومنهم من أجهز عليه هنا وهناك.
أعرف العديد من الشباب ابتلعهم البحر وتركوا زوجات وأسرا ملتاعة، وأعرف آخرين تبدّلت ظروفهم، وصارت الحال غير الحال، المهمّ ليس موضوعنا من كان وما ذا أصبح، ولكن من دفع هؤلاء الشباب والكهول ومنهم نساء وشابّات إلى المخاطرة بحياتهم وأنفاسهم التي في الصّدور، وليس أغلى من الرّوح لكن كثير من أبناء البلد اختاروا بيعها من أجل مغادرة البلاد بكلّ الطّرق، وعلى عجل؟؟؟
سمحت لي الفرصة مرّات عديدة أن أتجاذب أطراف الحديث مع من سافروا إلى إيطاليا تحديدا، وأقطار أوروبّا عموما عبر “الهجرة السريّة”، المعروفة في أوساطنا التونسية بعبارة “حرقة”، فكانت القواسم المشتركة هي عوامل الفقر والبطالة وانسداد الآفاق في البلد، أو هكذا تراءى للذين هاجروا البلاد عبر “الحرقة”، وفيهم اليوم صاحب المشاريع والعقارات، حيث محلاّته يكتريها الطبيب والمهندس والمحامي، وأصحاب الوظائف المتنوّعة بأسعار ترسل طنينا مستمرّا في الرؤوس.
أحدهم، صديق وأحد أبناء حومتي القدامى يرسل قهقهاته في الهواء عندما يحصل ونتحدّث عن الرّاتب الذي يتقاضاه التونسي، سواء كان عاملا في القطاع العامّ أو أجير، مهما علت رتبته، عند الخوّاص، يقول “راتبك لا يشتري لي سجائري لشهر”، أو هكذا ذهب في حساباته، مؤكّدا أنّه لو لا أن غامر وضحّى بحياته لبقي أضحوكة الصّغار قبل الكبار، ولو بقي في البلد لما تمكّن حتّى من توفير مصروف خطبة زوجته التي لها منه 5 صغار.
أجبته بأنّي لست على فكرته تماما وأنّ البلد فيه لـ “أولاد الحلال” الذين يطلبون “الرزق الحلال”، حتّى في حضائر البناء أو التقاط النفايات من البلاستيك والمعادن وفواضل المنازل لبيعها والإسترزاق منها، وإن كان الثمن لا يغني ولا يسمن من جوع، قال “أولاد حليمة ما خلاّولنا كان الفاتورات ندفعوها”.
لفتّ نظره إلى المآسي التي تعايشها عائلات المفقودين والمتوفين جرّاء الحرقة، سحب نفسا عميقا من “الشيشة المجوركة” العملاقة المنتصبة أمامه ثمّ نفث دخانه في الهواء، قهقه مجدّدا ثمّ أردف يقول : “خويا بالنسبة لي حرقة وإلاّ حقرة.. وآنا خويا نموت ولا نتحقر”.
هل اغلقت الأبواب إلى درجة التغليق ليغامر شبابنا بأرواحهم ولا يأبهون للعقوبات المشددة حيال الأمر؟؟؟
( قـــيــس الــعرقوبي)
0
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى غير قابل للنسخ.
إغلاق