الأخبار الوطنيةتحقيقات

مكاتب الزّواج في تونس: الأسعار بين 250 إلى 500 دينار، النّساء الأكثر إقبالا و “الزّواج العرفي” مطلوب

مكاتب الزّواج في تونس ليست بالظّاهرة الغريبة أو التّقليعة الجديدة باعتبار أنّها تعود إلى أوائل سنة 2001، أي ما يقارب 15 سنة مضت، لكن ما انفكّت هذه المكاتب تتزايد أعدادها بشكل ملفت لا سيما بعد الثورة، وهو ما دفع إلى إجلاء الحقائق حول هذا التطوّر المسجّل الذي أضحى يفرض نفسه بقوّة في المجتمع التّونسي خاصّة في ظلّ تفشّي جملة من الظّواهر ذات العلاقة أبرزها “العزوف عن الزواج” وكذلك تفاقم نسب “العنوسة” لتبلغ أقصاها ليس فقط مقارنة بالدول العربية والإفريقيّة وإنّما قياسا بالمستويات العالميّة.

هذا التّصور الجديد لمفهوم الزّواج كمؤسسة اجتماعيّة بالأساس أصبح يتطلّب وجود وسيط جديد هو شركات خدمات تسهل هذه العملية بأكثر ضمانات ممكنة ومع تراجع مناخ الثقة بين الطرفين وعدم الرغبة في اضاعة الوقت يقع الالتجاء الى وسيط يوفر هذه الشّروط ويذلّل هذه الصعوبات ويؤمن فرص الالتقاء بين الشريكين في إطار منظم.

البداية سنة 2001

أنشأ أوّل مكتب لخدمات الزواج في تونس سنة 2001، وتؤكّد صاحبته “ريم الورتاني” أنّها فكّرت في بعث مشروعها بغرض مساعدة شريحة الشّباب على إيجاد “النّصف الثّاني” زادها في ذلك جدّيتها ورغبتها الكبيرة في تقديم خدمة اجتماعية مفيدة إلى جانب المردود المالي الذي يمكن أن تجنيه، وتقول “ريم” أنها درست المشروع مدة 6 أشهر ثم شرعت في إطلاق حملة اشهاريّة تلتها البداية الفعليّة لنشاط المكتب، وذلك انطلاقا من سنة 2001.

ويقولبعض القائمين على هذه المكاتب أنّ مهمتهم نبيلة وأنّ عملهم إنساني وليس بالأمر الهيّن لأنّه يتعلق بمشاعر وأحاسيس النّاس الذين ينحدرون من جهات ومناطق مختلفة من كامل أنحاء البلاد، كما أنّ هذه المكاتب يقصدها شرائح أصحابها من ذوي انتماءات اجتماعيّة وفكريّة وسياسيّة وتعليميّة متعدّدة، لذلك يصعب في بعض الأحيان تجميع القلوب إذ قد يصل عدد المقابلات التي يتم اجرائها مع روّاد المكتب نحو 20 مقابلة شهريّا.

وتؤكد “ريم” أنّ خدمات المكتب موجهة إلى شريحة معينة من الأشخاص ممن تعذّرت عليهم فرصة التقاء الشّريك إمّا بسبب الوقت أو بسبب الخجل في مواجهة الفتيات أو جرّاء الالتزامات المهنيّة، قائلة: “أعمار مختلفة ومستويات متعددة ترد على مكتب الزواج، وعدد هام من كلا الجنسين كل يحمله الشوق وتدفعه الرغبة لإيجاد الراحة والاستقرار والاطمئنان يمكن أن يوفره له مكتب الزواج بمنحه إياه شريكا أو شريكة لحياته ورفيقا لدربه ويستقبل المكتب أشخاص يتسمون بالجدية والرغبة الصادقة في خوض تجربة الزّواج تتراوح أعمارهم بين 24 و54 سنة من جنس الاناث ومن سن 30 إلى سن 55 بالنسبة للذكور”.

وانتهت صاحبة أقدم “مكتب زواج” في البلاد إلى مكتبها نجح في تزويج أكثر من 200 شخص خلال 3 سنوات فقط، لافتة إلى أنّه عدد كبير مقارنة بالبلدان الأوروبية التي قالت أنّ “بعض مكاتبها المشهورة في المجال لم تحقّق أكثر من زواج أو اثنين طيلة سنة كاملة”.

أمّا بخصوص الوثائق البروتوكوليّة المعمول بها فتتلخّص أساسا في “نسخة من بطاقة تعريف”، “مضمون ولادة”، “صورة شمسية” و”معلوم التسجيل”، حتّى إذا استوفى قاصد هذه المكاتب وثائقه انتقل إلى مرحلة اللّقاء الأوّلي مع صاحب المكتب، الذي  يحدد فيه بعد المقابلة إن كان سيتم قبول الحريف الجديد أم لا، وذلك استنادا إلى معايير ومواصفات يعتمدها المكتب كمرجع لقبول الطلب، ومن ثمّة يدخل مقدّم طلب الزواج طورا جديدا يتمثّل في ملء استمارة يجيب فيها عن أسئلة تتعلّق بشخصيته و اهتماماته و بعدها يتكفل المكتب بالبحث عن الشّريك المناسب له.

السّعر بين 230 إلى 450 دينار

تثبت المعطيات أنّ مختلف الفئات العمريّة والاجتماعية، من الجنسين، تتوافد على “مكاتب الزواج”، على أنّ النّساء هن الأكثر إقبالا، حيث تتفاوت نسب الإقبال حسب المواسم اذ يشهد شهر رمضان اقبالا متزايدا نوعا ما، خاصة من فئة الرجال، بينما ترتفع نسبة الإقبال من طرف النّساء في فصل الصّيف وفي المناسبات والأعياد خاصّة فترة “عيد الحب”.

أمّا تكلفة العملية برمتها فتختلف من مكتب الى آخر، حيث يتطلّب الأمر في بعض المكاتب يتطلّب الأمر 230 دينار في حين تصل الكلفة في بعض المكاتب الأخرى إلى حدود 450 دينار ولكن هذه التكلفة يمكن أن تتغير بحسب مدة ايجاد الشّريك المناسب، وكذلك بالنّظر إلى “نوعيّة الحريف”.

تأخّر سنّ الزّواج

يرجع المتابعون انتشار “مكاتب الزواج” في تونس إلى تفشّي ظاهرة “تأخر سنّ الزواج” بسبب عزوف الشباب عن الارتباط القانوني جرّاء عوامل ماديّة واجتماعيّة وثقافيّة مختلفة، لا سيما المتمثلة في غلاء مصاريف الزواج والشروط المجحفة التي تضعها الفتاة إلى جانب التحوّلات المجتمعيّة السّريعة التّي أثّرت مباشرة في سلوكيّات وتصرّفات الشباب التونسي من الجنسين، سلوكيات يغلب عليها طابع التفتح من قبل الرّجل والتحرّر الذي أصبحت عليه المرأة التّونسيّة، فضلا عن الالتزامات المهنيّة وضيق الوقت الذي يعدّ من الأسباب الرئيسيّة للحدّ من فرص إقامة العلاقات الإنسانيّة وتحديدا الزوجيّة.

ومع المضيّ قدما في سياسة التّحديث في تونس، تغيّرت مقاييس وإجراءات وأشكال اختيار القرين، فبعد سيادة “زواج الأقارب” لمدة قرون، ساد بصفة تدريجية بعد الاستقلال (1956) “الزّواج” المختلط الذي يعتمد على معايير الذّوق والاختيار الشخصي ومفردات التكافؤ الاجتماعي والعلمي والاقتصادي، وبالتالي تعقدت مسألة الزّواج وأصبحت تمثّل مشكلة حقيقية للبعض من النّساء والرّجال، لأنّ الحياة بدورها باتت أكثر تعقيدا.

“الزّواج العرفي”

تقول صاحبة أحد “مكاتب الزّواج” أنّ الإقبال شهد ذروته بعد الثورة على صيغة “الزواج العرفي” وذلك من قبل عدد من التونسيين أغلبهم من فئة المتزوجين متحفّظة عن تحديد انتماءاتهم، مشيرة إلى أنّ هؤلاء اشترطوا الزّواج في إطار ما يعرف بـ “الزّواج العرفي”، وهو ما تمّ رفضه من طرف القائمين على المكتب كون مهمّته لا تتخطّى حدود التوسّط في زواج مدني.

 وذكرت صاحبة المكتب أنّ ما يلفت الانتباه هو إقبال المتزوجين على “الزّواج العرفي” وأنّ الغريب في الأمر دخول بعض النساء والفتيات على الخطّ والمجيء للمكتب بغرض التعرّف على رجل يقبل الصيغة بهذا النوع من الزواج، لافتة إلى أنّ حرفاء “الزّواج العرفي” هم من “المتديّنين”، وكذلك من فئات أخرى من حاملي الأفكار والقناعات المختلفة، تحت مسمّيات عديدة.

أراء الحرفاء بين التّنويه والانتقاد

منيرة (38 عاماً) من منطقة سيدي حسين بالعاصمة، تقول: “لا أرى أيّ مشكلة في الذهاب إلى أحد مكاتب الزواج، فمشاغل الحياة اليومية صعّبت التعارف نوعا ما بسبب طول ساعات العمل، وفي المقابل، قد يجد بعض الشباب ممن يلقى صعوبة في التعرف إلى الطرف الآخر الحلّ في هذه المكاتب”.

من ناحيته، صرّح “حسّان بن عبد العزيز” (37 عاماً) بأنّه تزوّج عن طريق أحد المكاتب المتمركزة في العاصمة، وذلك بسبب عمله في الخارج ورغبته في الارتباط بتونسية، قائلا: “مكتب الزّواج سهّل عليّ الأمر كثيرا، ورغم تعدد وسائل التواصل الاجتماعي ومواقعه على الإنترنت إلا أنّه من الأفضل أن يكون التعارف الحقيقي على أرض الواقع، وعبر تنظيم لقاءات متعدّدة”.

في المقابل، تواجه هذه المكاتب العديد من الانتقادات، ويعتبر البعض أنّ هدفها محصور بالربح المادي، وأنّ بعضها تبالغ في فرض تكلفة لا تتماشى وقدرة فئة من الباحثين عن النّصف الآخر الذين ينتمي بعضهم إلى شرائح اجتماعيّة وماديّة متواضعة، فيما يذهب البعض إلى اعتبار أنّ “مكاتب الزواج” ليست الوسيلة النّاجعة لإنشاء علاقة في إطارها السويّ تمكّن من تأسيس أسرة تستوفي شروطها.

وبالمحصلة فإنّ الطّريق بالنسبة للعديد من روّاد “مكاتب الزّواج” نحو القفص الذهبي معقّدة جدّا، حيث استوجبت وساطة من نوع خاصّ، باعتبار أنّ العديد من الزيجات نجحت وجلبت السّعادة للشّريكين، لكن في المقابل واجه البعض الآخر صعوبات وصلت بالطرفين إلى الاتفاق على خيار الانفصال، ورغم الصّعوبات والعراقيل الماثلة إلاّ أنّ خدمات مكاتب الزواج في تونس تشهد اقبالا وحركيّة تزداد يوما بعد يوم والإقبال عليها لم يتوقّف.

0
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى غير قابل للنسخ.
إغلاق