متفرقات

وادي مجــردة: فيضانه في الطّريق..متى يبدأ الإستعداد؟؟

في مثل هذا التوقيت من كلّ سنة يبدأ الهلع من المجهول دبيبه  في قلوب التّونسيين المجاورين بالسّكن والمتاخمة أراضيهم الفلاحيّة لوادي مجردة، القنال الطويل العريض الذي يشقّ البلاد على عرضها مقبلا علينا بسيلانه من الأراضي الجزائريّة، وحقّ للخائفين أن يخافوا وهم الذين عايشوا كثيرا غضبه عليهم وعانوا من فواجع فيضانه على بيوتهم ومزارعهم، فهم يعلمون علم اليقين أنّ هجومه مدمّر ولا يبقي ولا يذر ولا يدع أخضرا ولا يابسا حتّى يأتي عليه دون خجل وبلا وجل ويحمل معه كلّ ما يعترضه فيبعثر الأمكنة ويخلّف فوضى ومآس وخسائر في الأرواح والممتلكات.

تواتر الأنباء  في بداية فصل الأمطار حاملة معها  كلّ مشاعر الخوف والإحساس بالرّعب الذي ينتاب سكّان المناطق المستهدفة خاصّة مع بداية موسم الأمطار، لا سيما  أهالي المناطق الغربيّة للبلاد وتحديدا ولايات باجة وجندوبة ومنوبة، والجميع يتذّكر الكوارث الإنسانيّة والماديّة التي تلحق، على سبيل الذكر دون الحصر، بمدينة “بوسالم” ومواطنيها السنة المنقضية، كوارث طبيعيّة من قبيل المصائب التي تخلّف في كلّ مرّة  خسائر فادحة  في الممتلكات بالمليارات وعطّلت الحركة الاقتصادية والإداريّة والاجتماعية ما يزيد عن أسبوع كامل.

وقتها عاشت “بوسالم” في مرمى المياه العاتية لوادي مجردة وهم اليوم تحت رحمة هديره وصخب منسوبه الذي ما ينفكّ يرتفع ويتعاظم كلّ ما يقبل الخريف والشتاء بالأنواء في تلك المنطقة الباردة بشكل يصبح معه سيلان المياه كأنه أمواج  “تسونامي” الذي يحمل معه فعلا البشر والدّواب والنبات وحتّى الحجر يقتلعه من مكانه، والوادي سبق أيضا وأن أغرق الأحياء والجماد حتّى المقابر قلب ما فيها رأسا على عقب في كلّ من “مجاز الباب” وتستور” و”مزوغة” وفي “بوسالم” و”بلطة” و”بلاريجيا” و “طبربة” و”الجديدة” وغيرها من الجهات والمناطق والأحياء التي تركها مجروحة مشروخة حالتها، روايات تركها “مجردة” منحوتة في ذاكرة النّاس  لم تحكيها شهرزاد لشهريار طيلة “ألف ليلة وليلة”.

لكن رغم كثرة العبر التي خلفها “الوادي” على مدى عقود فإنّنا يبدو أنّنا لم نتّعظ بعد وما زلنا لم نترك تلك العادة السلبيّة السيّئة، عادة أن ننتظر حتّى تأتي إلينا المصائب ونترقّب قابعين مكتوفي الأيدي حتّى تحلّ علينا المهالك ثمّ نقيم “الآذان” بالصّياح والصّراخ ونتهّم بعضنا البعض بالتقصير والتجاهل وعدم تقدير الأمور، فكثيرا ما ترك النّاس في تونس يواجهون مصائر مأساويّة دون إنقاذهم حتّى إذا نزلت بهم النّوازل وحصلت الطّامة الكبرى قمنا إلى النحيب والتباكي الذي لا يقدّم ولا يعيد ما كان ولا يرجع ما خطفته النوائب من نفيس أو عزيز.

 لذلك في هذا التوقيت بالذّات، حريّ بالسلطات المركزيّة والجهويّة والمحليّة أن تتحرّك على عجل وتتخذ الإجراءات في إطار خطّة عمل محكمة وفي نطاق “برنامج حمائي” تتوفّر فيه كلّ مقومات النجاعة والجدوى، لتأمين السكّان والممتلكات من فيضان الوادي والعمل على حشد الموارد البشريّة وتوفير المعدّات اللاّزمة الكفيلة بإنجاز هذه المهمّة الوطنيّة والإنسانيّة النّبيلة والتي من شأنها أن تبرز التزام السّلطة في جمهوريّة تونس الثّانية بالمكتسبات الت حفل بها الدستور الجديد والتي كفلها للمواطن، وفي مقدمتها الإحاطة بجميع المواطنين على حدّ السواء والعمل وفق عقليّة المساواة ومنطق العدالة الاجتماعية وتنفيذها على أرض الواقع.

اليوم آن الأوان لأن تلتفت السّلطات مرجع النظر إلى حكايات الوفيّات والموت المنسوبة لوادي مجردة الذي أتى على آلاف مؤلّفة من أرواح النّاس والدواب في الغالب بشكل مجّاني فضلا عن تكاثر الجرائم بمختلف أنواعها في محيطات الوادي وتخومه والتي من الضروري اليوم مجابتها بالطرق التي تكفل حصرها والقضاء عليها.

0
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى غير قابل للنسخ.
إغلاق